في واحدة من أكثر الصور قتامةً في المشهد الإعلامي العالمي، تقف اليمن اليوم عند المرتبة 164 عالميًا في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 الصادر عن مراسلون بلا حدود. هذا الرقم ليس مجرد تراجع عابر في ترتيب دولي، بل هو شهادة دامغة على انهيار بيئة العمل الصحفي، وانزلاق البلاد إلى قاع مظلم تُخنق فيه الكلمة، وتُلاحق فيه الحقيقة، وتُجرَّم فيه المهنة التي يفترض أن تكون ركيزة لأي مجتمع حي. التراجع بعشر مراتب خلال عام واحد لا يمكن قراءته كتحول إحصائي بسيط، بل كدليل على تسارع الانحدار. ففي بلد أنهكته الحرب والانقسامات، لم يعد الصحفي مجرد ناقل للخبر، بل أصبح هدفًا مباشرًا في معادلة صراع لا تعترف بالحياد. هنا، لا تُقاس المخاطر بمدى صعوبة الوصول إلى المعلومة، بل بمدى احتمال أن يفقد الصحفي حريته أو حياته أثناء البحث عنها.
ما يكشفه التقرير يتجاوز لغة الأرقام إلى توصيف صادم “بيئة خطيرة جدًا”. وهي عبارة تختصر واقعًا تُمارس فيه الانتهاكات بشكل شبه يومي، من اختطاف واعتقال تعسفي، إلى تهديدات بالقتل وعمليات اغتيال. والأسوأ من ذلك أن هذه الانتهاكات لا تصدر عن جهة واحدة يمكن محاسبتها، بل عن أطراف متعددة جماعات مسلحة، مليشيات، وسلطات متنازعة في مشهد فوضوي يجعل العدالة غائبة والمساءلة شبه مستحيلة.
رغم الحديث عن تهدئة نسبية وتراجع في وتيرة العمليات القتالية بين الحكومة اليمنية وميليشيا الحوثي، إلا أن هذا “الهدوء” لم يحمل أي تحسن يُذكر لحرية الصحافة. بل يبدو أن القمع الإعلامي أصبح منفصلًا عن إيقاع الحرب، مستمرًا بذات الشدة حتى في لحظات انخفاض العنف العسكري. هذا الواقع يكشف حقيقة مقلقة أن أزمة الإعلام في اليمن لم تعد مجرد انعكاس للنزاع، بل تحولت إلى بنية قائمة بذاتها، تُغذّيها ثقافة الإفلات من العقاب، وتُكرّسها سلطات ترى في الكلمة الحرة تهديدًا مباشرًا لنفوذها. يوثق التقرير مقتل صحفي واحد واعتقال اثنين خلال العام الجاري. قد تبدو هذه الأرقام محدودة مقارنة بمآسي الحرب الأوسع، لكنها في سياق حرية الصحافة تحمل دلالة مختلفة تمامًا. ففي بيئة هشة، يكفي استهداف عدد قليل لزرع الخوف في جسد المهنة بالكامل. الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في عدد الضحايا، بل في الأثر التراكمي لهذه الانتهاكات رقابة ذاتية خانقة، انسحاب تدريجي للصحفيين من الميدان، وتحوّل الإعلام إلى مساحة خاضعة للترهيب بدل أن تكون منصة للمساءلة. إلى جانب التهديدات الأمنية، تواجه المؤسسات الإعلامية المستقلة في اليمن معركة بقاء يومية. ضعف التمويل، وانهيار البنية الاقتصادية، وغياب الدعم المؤسسي، كلها عوامل تدفع هذه المؤسسات نحو الهشاشة وربما الزوال. في ظل هذا الواقع، يصبح الاستقلال التحريري رفاهية نادرة، ويُفتح المجال أمام الإعلام الموجه والدعاية السياسية لملء الفراغ. النتيجة ليست فقط تقييد الصحفيين، بل حرمان المجتمع بأكمله من حقه في الوصول إلى معلومات موثوقة ومتوازنة. وهنا تتحول الأزمة من قضية مهنية إلى أزمة مجتمعية تمس الوعي العام وصناعة القرار. التقرير ذاته يشير إلى تراجع غير مسبوق في أوضاع حرية الصحافة عالميًا، حيث سجل المؤشر أدنى مستوياته منذ ربع قرن، مع تصنيف أكثر من نصف دول العالم ضمن بيئات “صعبة” أو “خطيرة”. غير أن موقع اليمن في هذا الترتيب يضعها في المنطقة الأكثر هشاشة وخطورة.
في المقابل، تتصدر النرويج قائمة الدول التي تحمي حرية الصحافة، بينما تتذيل كوريا الشمالية التصنيف، في مشهد يعكس التفاوت الحاد بين عالمين عالم تُصان فيه الكلمة، وآخر تُقمع فيه بلا هوادة. أن تكون اليمن في هذا الموقع وفي المرتبة 164 عالمياً يعني ببساطة أن الصحفي يعمل في بيئة تُعادي وجوده. يعني أن الوصول إلى الحقيقة محفوف بالمخاطر، وأن نشرها قد يكون ثمنه السجن أو الموت. يعني أيضًا أن الجمهور يُترك فريسة للشائعات والدعاية، في غياب إعلام حر قادر على التحقق والمساءلة. هذه المرتبة تكشف كذلك عن غياب منظومة قانونية تحمي الصحفيين، وانهيار المؤسسات التي يفترض أن تدافع عن حرية التعبير، فضلًا عن انقسام سياسي حاد حوّل الإعلام إلى أداة في الصراع بدل أن يكون وسيلة لفهمه. ما يقدمه تقرير مراسلون بلا حدود ليس مجرد تقييم سنوي، بل وثيقة إدانة لوضع لم يعد يحتمل التجميل أو التبرير. اليمن اليوم ليست فقط في ذيل التصنيف، بل في قلب أزمة عميقة تهدد جوهر الحق في التعبير. ومع ذلك، فإن الخروج من هذا القاع رغم صعوبته ليس مستحيلًا. لكنه يتطلب ما هو أكثر من بيانات إدانة يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، وإلى ضمانات قانونية تحمي الصحفيين، وإلى دعم دولي جاد يعيد بناء المؤسسات الإعلامية على أسس من الاستقلال والمهنية. حتى ذلك الحين، سيبقى الرقم 164 شاهدًا قاسيًا على واقع تُكمَّم فيه الأفواه، وتُلاحق فيه الحقيقة، وتُدفع فيه الصحافة ثمنًا باهظًا لمجرد أنها تحاول أن تكون صوتًا لما يحدث.