آخر تحديث :الأحد-01 نوفمبر 2026-10:12م

الجريمة الصامتة

السبت - 09 مايو 2026 - الساعة 02:51 م
فادي الفقيه


ثمة قرارات لا تنتهي آثارها عند لحظة اتخاذها، بل تمتد لتشكّل مصير إنسان كامل، ولعل أكثرها خطورة ذلك القرار الذي يُتخذ بخفة، ثم يُدفع ثمنه عمراً كاملاً.. الإنجاب دون وعي، ودون استعداد، ودون قدرة حقيقية على منح حياة تستحق أن تُعاش.!

أقف أحيانًا أمام مشاهد الأطفال في الشوارع مستاءاً، أمام وجوه أنهكها الخوف والجوع والحرمان قبل أن تعرف معنى الطفولة، وأتساءل: من الذي قرر أن يبدأ هؤلاء حياتهم بهذه القسوة وبهذه المعاناة وبذها الشكل؟!

هل كان ذلك قدراً لا مفرّ منه؟ أم كان نتيجة قرارات بشرية مستهترة وغير مسؤولة، جرى تبريرها باسم "سنة الحياة" والعادات الاجتماعية.

ليست المشكلة في الحياة ذاتها، بل في الطريقة التي نستدعي بها حياة جديدة إلى عالم يفتقر لأبسط مقومات الأمان والاستقرار، أن يُولد طفل وسط فوهة الحروب، أو داخل أسرة هشّة نفسياً لا تمتلك الاهلية، أو في بيئة يغلب عليها العنف والفقر، ثم نُقنع أنفسنا بأننا "أحسنّا إليه" لمجرد أننا منحناه فرصة الوجود، ذلك التناقض البشري يستحق أن نتأمل حقيقته دون أغلفة.

فالإنجاب ليس واجباً مقدساً يؤديه الجميع دون تفكير، ولا خطوة تلقائية تُفرض على الإنسان بحكم المجتمع أو العمر أو التقاليد، إنه مسؤولية أخلاقية وإنسانية عميقة، لأننا لا نستدعي مجرد طفل، بل نستدعي وعياً جديداً سيشعر ويتألم ويحلم ويواجه هذا العالم بما فيه من قسوة "وبمفرده".

المؤسف أن بعض الناس يتعاملون مع الطفل كوسيلة للهروب من الوحدة، أو محاولة لترميم فراغ داخلي، أو تعويض لفشل شخصي، أو حتى كضمان للمستقبل.. بينما الحقيقة أن الطفل ليس مشروع نجاة لأحد، ولا أداة لتحقيق ما عجزنا نحن عن تحقيقه.

إن إنجاب طفل دون القدرة على توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة ليس قدراً سماوياً ، بل قراراً فاشلاً غير محسوب العواقب، والمأساة الحقيقية أن من يدفع الثمن ليس من اتخذ القرار، بل إنسان جاء إلى هذا العالم دون أن يُسأل إن كان يرغب بالأساس أن يبدأ هذه الرحلة بكل ما فيها من ألم وخوف وحرمان أم لا ؟!

قد يكون الإنجاب فعل حب عظيم، لكنه في التوقيت الخطأ، والظروف الخطأ، والوعي الخطأ، قد يتحول إلى شكل من أشكال الأنانية المغلفة بالعاطفة، حيث يُقدَّم الاحتياج الشخصي على حق إنسان في حياة آمنة ومستقرة.

وربما أخطر ما في الأمر، أن بعض الجرائم لا تُرتكب بالدماء ولا بالسلاح، بل تُرتكب بصمت، حين يقرر الانسان بشكل خاطئ.. فليس كل إنجاب رحمة، ولا كل ولادة بداية عادلة، فبعض الأطفال لا يولدون إلى الحياة، بل يُدفعون إلى الموت منذ اللحظة الأولى، فيما نُسمّي ذلك مجازاً "سنة الحياة".. قد تكون تلك في حقيقتها، أكثر الجرائم صمتاً.!