آخر تحديث :الإثنين-11 مايو 2026-02:31م

الشهادة لا تصنعُ عقلًا

السبت - 09 مايو 2026 - الساعة 02:45 م
محمد العنبري

في زمن أصبحت فيه الشهادات تعلّق على الجدران أكثر مما تترجم في السلوك، بات من المؤلم أن ترى بعض الناس يحملون أعلى المؤهلات، لكنهم يعجزون عن حمل أبسط معاني الوعي والإنسانية والحكمة.


فليست المشكلة في كثرة الشهادات بل في غياب العقل الذي يمنح تلك الشهادات قيمتها الحقيقية.

لقد أصبح المجتمع أحيانا يقاس بعدد الألقاب لا بعدد العقول، وبعدد الأوراق لا بعدد المواقف ترى شخصا يحمل شهادة كبيرة، لكنه لا يعرف كيف يحترم الآخرين ولا كيف يدير خلافا ولا كيف يتعامل مع الناس بأخلاقٍ ومسؤولية حينها تدرك أن التعليم شيء، والعقل شيء آخر تماما.


فالعقل ليس شهادة جامعية ولا منصبا، ولا لغة أجنبية العقل هو الاتزان، والقدرة على الفهم والرحمة، والتواضع واحترام الإنسان مهما كان بسيطا.

كم من أميٍّ لا يقرأ ولا يكتب لكنه يملك من الحكمة ما يعجز عنه أصحاب القاعات والجامعات وكم من متعلم حفظ الكتب كلّها، لكنه فشل في فهم الحياة والناس.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع هو أن يتصدر المشهد أشخاص يحملون شهادات بلا وعي، لأن الجاهل حين يخطئ قد يعذر بجهله، أما المتعلم حين يفسد بعلمه فضرره أكبر وأعمق.


ولهذا لا يقاس الإنسان بما يحمله في ملفاته بل بما يحمله في عقله وقلبه وأخلاقه

لقد تحولت بعض الشهادات اليوم إلى وسيلة للتفاخر الاجتماعي، لا وسيلة للبناء والمعرفة البعض يريد اللقب فقط، يريد أن يقال عنه “دكتور” أو “أستاذ” بينما سلوكه يفتقر إلى أبسط معاني الثقافة والرقي وكأن العلم الحقيقي أصبح مجرد مظهر خارجي، لا أثر له في التفكير ولا في التعامل.


العلم الحقيقي لا يصنع إنسانا متكبرا بل أكثر تواضعا لا يجعله يحتقر الناس، بل يفهمهم أكثر فكلما ازداد الإنسان علما، أدرك حجم جهله وتعلم أن الحكمة ليست في كثرة الكلام بل في عمق الفهم.


وللأسف نحن نعيش مرحلة اختلطت فيها المعايير، فأصبح صاحب الصوت العالي يقدّم على صاحب الفكر، وصاحب العلاقات يفضل على صاحب الكفاءة، وأصبح البعض يظن أن الشهادة وحدها كافية ليكون قائدا أو مثقفا أو قدوة، بينما الحقيقة أن المجتمعات لا تنهض بالأوراق بل بالعقول الناضجة والضمائر الحية

إن الأمم لا تبنيها الشهادات المعلقة، بل تبنيها العقول التي تعرف معنى المسؤولية وتفهم قيمة الإنسان وتؤمن أن العلم رسالة قبل أن يكون لقبا.


فما قيمة شهادة لا تمنع صاحبها من الظلم؟

وما قيمة تعليم لا يهذب الأخلاق؟

وما فائدة المعرفة إن لم تجعل الإنسان أكثر رحمة وعدلًا ونبلًا؟

ويبقى الفرق كبيرا بين متعلم يحمل شهادة، ومثقف يحمل عقلًا.

فالشهادة قد تمنحك وظيفة، لكن العقل وحده يمنحك قيمة حقيقية بين الناس.


ولهذا لسنا بحاجة إلى مزيد من الأوراق بقدر حاجتنا إلى عقول تفكر، وقلوب تعي، وأشخاص يفهمون أن الإنسان يحترم بأخلاقه ووعيه قبل أي لقب يحمله.

فالشهادات قد تفتح الأبواب، لكن العقل وحده من يجعل لصاحبه مكانة لا تسقط مع الزمن.