في حرب صيف 1994، وتحديدًا في صباح السابع من يوليو، كنت أقود طائرتي العسكرية متجهًا إلى جيبوتي، بعد أن غادرت واختفت بعض القيادات الجنوبية قبل ذلك التاريخ، وتركتنا في جبهات المواجهة وسط حالة من الغموض. وفي ظل تلك الظروف الصعبة، ومع انقطاع التواصل، اتخذت قراري بالتوجه إلى جيبوتي بالطائرة التي كنت أحلق بها، في واحدة من أصعب اللحظات التي مررت بها في حياتي. في جيبوتي وجدت موقفًا أخويًا وإنسانيًا لا يُنسى، فقد استُقبلت بكل كرم وترحاب، ووجدت من قيادتها وشعبها حسن الاستقبال وصدق المشاعر، في صورة عكست عمق العلاقات وروح الأخوة والجوار، وظلت تلك المواقف راسخة في ذاكرتي حتى اليوم.
واليوم، وبعد مرور كل تلك السنوات، أعود إلى جيبوتي ولكن ليس كما كانت المرة الماضية مكرهًا وتحت ظروف قاهرة، بل ضمن الوفد الرئاسي المرافق لفخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الذي يحمل على عاتقه مهمة استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي، وإعادة اليمن إلى محيطه العربي، ومواجهة المشروع الإيراني الذي يهدد أمنها واستقرارها وهويتها الوطنية.
لقد شهدت البلاد منذ ذلك الحين تحولات سياسية كبيرة، فلم يعد الجنوب كما كان، بل أصبح اليوم شريكًا رئيسيًا ومحوريًا في إدارة الدولة وصنع القرار، وأصبحت عدن حاضرة في العملية السياسية ومركزً استقرار لمؤسسات الدولة والقيادات العسكرية والأمنية. ويشارك أبناء الجنوب اليوم بفاعلية في مختلف مؤسسات السلطة، حيث يمثل أبناء الجنوب أكثر من نصف التشكيلة الحكومية، إلى جانب توليهم عددًا من الوزارات السيادية، فضلًا عن رئاسة الحكومة ممثلة بدولة رئيس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، الأمر الذي يعكس الدور الوطني المحوري الذي بات للجنوب في إدارة المرحلة الحالية ورسم مستقبل البلاد.
كما يتولى أبناء الجنوب مسؤولية قيادة المحافظات الجنوبية وأجهزتها الأمنية، فيما تنتشر القوات العسكرية والأمنية النظامية ضمن منظومة حماية المحافظات المحررة، وتشكل طرفًا محوريًا في جهود التصدي للتمرد الحوثي، وعنصرًا فاعلًا في مساعي استعادة الدولة ودعم مسار التسوية السياسية.
ويستعد الجنوب اليوم لخوض حوار جنوبي–جنوبي برعاية كريمة من المملكة العربية السعودية، بهدف التوصل إلى حل دائم للقضية الجنوبية، بما يتوافق مع تطلعات أبنائه، في حوار مفتوح السقف يتمحور حول مشروع يعزز أمن واستقرار المنطقة.
إن مسؤوليتنا الوطنية تحتم علينا تغليب المصلحة العليا، وتوحيد الصفوف، وتوجيه الإمكانات نحو مواجهة التحدي الأخطر المتمثل في ميليشيا الحوثي الانقلابية، والعمل من أجل استعادة الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار لكل أبناء الوطن.