آخر تحديث :الجمعة-08 مايو 2026-11:29م

التعـليم الجامـعي والمعـلم المنـهك.

الجمعة - 08 مايو 2026 - الساعة 08:09 م
د.هاني القاسمي

بقلم: د.هاني القاسمي
- ارشيف الكاتب


ليـست الجامعات مجرد مبانٍ تُرفع فوق الأرض، ولا قاعاتٍ تُلقى فيها المحاضرات، ولا شهاداتٍ تُعلّق على الجدران. الجامعة، في معناها العميق، هي العقل الذي تفكر به الدولة، والروح التي تُعيد تشكيل وعي المجتمع، والخط الأول في معركة البناء الوطني.


وحيـن يُنهَك المعلم الجامعي، فإن الإرهاق لا يصيب فردًا بعينه، بل يتسلل إلى جسد الدولة بأكمله، فيُضعف قدرتها على النهوض، ويهز مستقبلها من الداخل.


فـي البلدان التي أدركت معنى الدولة الحديثة، لم يُنظر إلى الأستاذ الجامعي بوصفه موظفًا يؤدي ساعات عمل ثم ينصرف، بل باعتباره شريكًا في صناعة القرار الوطني، وحارسًا للهوية الفكرية، ومهندسًا للعقول التي ستدير مؤسسات الدولة وتحمل أعباء المستقبل.


فـ المعـلم الجامعي لا يزرع معلومات جامدة، وإنما يصنع وعيًا، ويؤسس لمنهج تفكير، ويغرس قيم القانون والانتماء والمسؤولية.


ومـن هـنا كانت مكانته دائمًا مرتبطة بمكانة الدولة نفسها؛ فكلما ارتفع قدر المعلم، ارتفع معه قدر الوطن.


أمـا في واقعنا اليمني المثقل بالأزمات، فقد أصبح الأستاذ الجامعي يعيش واحدة من أكثر المراحل قسوة وإيلامًا؛ فالرجل الذي يُفترض أن يكون في مقدمة المشروع الوطني، يقف اليوم مثقلًا بالعجز المعيشي، ومحاصرًا بقلق الحياة اليومية، ومواجهًا واقعًا اقتصاديًا يلتهم كرامته قبل راتبه.


وتحـول كثير من الأكاديميين إلى نماذج للإنهاك الصامت؛ يحملون رسالة التنوير في زمن أصبحت فيه أبسط متطلبات الحياة عبئًا يفوق طاقتهم.


إن أخـطر ما يمكن أن تصل إليه الأمم ليس انهيار الطرقات أو تعثر الاقتصاد فحسب، بل سقوط القيمة المعنوية للمعلم؛ لأن انهيار التعليم لا يحدث دفعة واحدة، وإنما يبدأ حين يشعر حامل الرسالة بأنه متروك لمصيره، وأن جهده العظيم لا يوازيه تقدير، ولا تحميه دولة، ولا يسنده مجتمع.


عـندها تفقد الجامعة هيبتها تدريجيًا، ويتراجع البحث العلمي، وتهاجر الكفاءات، وتُفتح الأبواب أمام الجهل والتطرف والفوضى الفكرية.


ولـعل المأساة الأعمق أن المعلم الجامعي، رغم كل هذا الإنهاك، لا يزال يؤدي دوره الوطني بصبر يثير الدهشة، لا يزال يدخل قاعات الدراسة ليزرع الأمل في نفوس طلابه، ويحاول أن يحافظ على ما تبقى من معنى الدولة، في وقت تتكاثر فيه عوامل الإحباط والانهيار.


فـ هـو يدرك أن سقوط الجامعة ليس سقوط مؤسسة تعليمية فحسب، بل سقوط حصن من حصون الوطن الأخيرة.


إن الأمـن الحقيقي لأي دولة لا تصنعه القوة وحدها، بل تصنعه الجامعات أيضًا؛ فالعقول المستنيرة أكثر قدرة على حماية الأوطان من الانهيار، والوعي الوطني المتزن أقوى أثرًا من كثير من أدوات الصراع.


ومـن هـنا؛ فـإن الاهتمام بالتعليم الجامعي ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية تتعلق ببقاء الدولة ذاتها؛ لأن الدول التي تهمل جامعاتها إنما تهدم مستقبلها بيديها، حتى وإن ظنت أنها توفر المال أو تؤجل الأزمة.


لـقد آن الأوان لأن يُعاد النظر إلى الأستاذ الجامعي باعتباره ثروة وطنية لا عبئًا إداريًا، وأن تُبنى السياسات العامة على أساس احترام العلم وحملة المعرفة، لا على منطق التهميش والإهمال.


فـ الأمـم التي تريد النهوض الحقيقي تبدأ من المدرسة والجامعة، وتبدأ قبل ذلك من الإنسان الذي يقف أمام الطلاب ليصنع منهم رجال دولة، وقضاة، وأطباء، ومهندسين، ومفكرين، وحماةً للوطن.


إن المعـلم الجامعي المنهك ليس قضية فئة وظيفية تبحث عن تحسين دخلها فقط، بل قضية وطن يبحث عن مستقبله.


وحـين تستعيد الجامعة مكانتها، ويستعيد الأستاذ الجامعي كرامته، يمكن عندها فقط أن نتحدث بجدية عن بناء الدولة، وعن التنمية، وعن الاستقرار، وعن وطن قادر على الوقوف من جديد.


د. هـاني بن محمد القاسمي

عـدن: 8. مايو. 2026م

.