آخر تحديث :الجمعة-08 مايو 2026-11:29م

كهرباء عدن ...من الانقطاع المتواصل إلى التشغيل المستمر و"الاستدامة": توصيات استراتيجية لإنقاذ العاصمة عدن من الظلام

الجمعة - 08 مايو 2026 - الساعة 05:22 م
د. عيسى ابو حليقه

بقلم: د. عيسى ابو حليقه
- ارشيف الكاتب


لم تعد أزمة الكهرباء في العاصمة عدن مجرد خلل فني أو نقص في الوقود؛ بل تحولت إلى "تحدٍ وجودي" يمس صلب الحياة اليومية والاقتصاد المحلي. في ظل صيف ملتهب واعتماد مفرط على حلول ترقيعية، بات من الضروري الانتقال من "إدارة الأزمة" إلى "إدارة الحل المستدام".

أولاً: تشخيص الواقع الحالي

تشير البيانات التقنية لعامي 2025 و2026 إلى أن المشكلة في عدن ليست في غياب المحطات فحسب، بل في "كفاءة المنظومة". هناك فجوة هائلة بين القدرة المركبة (نحو 470 ميجاوات) والإنتاج الفعلي الذي لا يتجاوز أحياناً 200 ميجاوات.

• الفاقد الفني والتجاري: يصل الفاقد في الشبكة إلى قرابة 44%، وهو رقم كارثي يعني ضياع نصف الطاقة المنتجة تقريباً قبل وصولها للمستهلك.

• استنزاف الوقود: الاعتماد على "الديزل" المكلف والمضر بالبيئة يرهق ميزانية الدولة، حيث تستهلك المحطات القديمة (مثل الحسوة) كميات ضخمة من الوقود لإنتاج طاقة ضئيلة.

• القدرات المعطلة: هناك قرابة 250 ميجاوات خارج الخدمة أو تعمل بنصف طاقتها بسبب غياب الصيانة (التوربين الصيني، المحطة القطرية) أو نقص الغاز الطبيعي (محطة الرئيس).


ثانياً: استراتيجية الحل (خارطة طريق 2026-2030)

لحل المشكلة، يجب التحرك في ثلاثة مسارات متوازية:

1. المسار العاجل (خلال 12 شهرًا):

• صيانة المحطات المتوقفة: إعادة تأهيل التوربين الصيني والمحطة القطرية لإضافة 125 ميجاوات فورية للشبكة.

• تقليل الفاقد: البدء بحملة وطنية لاستبدال العدادات التقليدية بـ "عدادات ذكية" مسبقة الدفع للحد من الربط العشوائي وتحسين التحصيل.

2. التحول نحو الطاقة النظيفة (التجربة الإقليمية):

الاستفادة من تجربة المغرب والأردن في الطاقة الشمسية. تمتلك عدن سطوعاً شمسياً فريداً، والمطلوب هو:

• التوسع في "مزارع الرياح" والطاقة الشمسية الكبرى (على غرار محطة الـ 120 ميجاوات الحالية) لتصل إلى 500 ميجاوات بحلول 2028.

• إصدار تشريعات تسمح للمواطنين والقطاع الخاص بتركيب منظومات طاقة شمسية وربطها بالشبكة العامة بنظام "صافي القياس" (Net Metering).

3. كفاءة الوقود (نظام الدورة المركبة):

التحول من الدورة البسيطة إلى الدورة المركبة (Combined Cycle) في محطة الرئيس ومحطات الوقود الثقيل، وهو ما يرفع الكفاءة بنسبة 30% دون استهلاك لتر واحد إضافي من الوقود، تماماً كما فعلت مصر في مشاريعها الكبرى مع شركة سيمنز.

ثالثاً: دروس مستفادة من تجارب دولية

• تجربة فيتنام: استطاعت فيتنام في سنوات قليلة التحول من العجز إلى التصدير عبر تشجيع الاستثمار الخاص في الطاقة المتجددة بأسعار شراء محفزة (Feed-in Tariff).

• تجربة لبنان (الحلول اللامركزية): مع تعثر الشبكة المركزية، لجأ اللبنانيون للطاقة الشمسية الفردية. في عدن، يمكن للحكومة دعم "قروض خضراء" ميسرة للمنازل والمصانع لتركيب الألواح الشمسية، مما يخفف الحمل عن الشبكة العامة بنسبة 20-30%.

رابعاً: التوصيات الختامية

1. استقلالية القرار: إنشاء "هيئة تنظيم قطاع الكهرباء" تكون مستقلة إدارياً ومالياً بعيداً عن التجاذبات السياسية.

2. التحول للغاز: تسريع توفير الغاز الطبيعي لمحطة الرئيس لخفض كلفة التوليد بنسبة 60%.

3. تطوير الشبكة: تحديث خطوط النقل والمحطات التحويلية لتتمكن من استيعاب الطاقة الشمسية (التي تتسم بالتذبذب).

الخلاصة:

أزمة كهرباء عدن ليست "قدراً"، بل هي نتيجة تراكمات يمكن حلها بإرادة سياسية وتخطيط علمي. إن استغلال شمس عدن والتحول نحو الكفاءة هو الطريق الوحيد لضمان صيف بارد ومستقبل اقتصادي مزدهر.

أزمة كهرباء عدن هي "أزمة إرادة وإدارة" قبل أن تكون نقصاً في الإمكانيات. الانتقال نحو الطاقة الشمسية، وتحديث الشبكة، والغاء الاعتماد على الديزل، هي الثلاثية الذهبية التي ستخرج عدن من نفق الظلام إلى نور الاستدامة.