منذ العام 2015، عاشت محافظة أبين سنواتٍ قاسية من العزلة والحرمان، ليس فقط بسبب الحرب، بل بسبب مجموعة من العوامل التي تسببت في إبعاد المحافظة عن خارطة التدخلات الإنسانية والتنموية.
في الوقت الذي كانت فيه المساعدات والمشاريع تتدفق إلى محافظات أخرى، بقيت أبين تعاني من نقصٍ واضح في الدعم، وكأنها خارج حسابات المنظمات والجهات المانحة. والسبب المؤلم أن من تضررت بهم أبين في الدرجة الأولى هم بعض أبنائها، عندما سُمح بتصنيف المحافظة كمنطقة حمراء وخطيرة، الأمر الذي جعل كثيراً من المنظمات تتردد أو تمنع من التدخل والعمل فيها.
ومع كامل الاحترام والتقدير للمنظمات الإنسانية، إلا أن الواقع يقول إن المجاملة داخل هرم السلطة لعبت دوراً سلبياً أيضاً، حيث تم توجيه كثير من المشاريع والدعم نحو مناطق معينة على حساب أبين، رغم ما مرت به المحافظة من معاناة واحتياج حقيقي للتنمية وإعادة الإعمار.
كما لا يمكن تجاهل جانب آخر من الحقيقة، وهو أن بيئة العمل داخل المحافظة لم تكن دائماً مشجعة للتدخلات الإنسانية والتنموية، بسبب كثرة المشاكل والتقاطعات والخلافات، وغياب التعاون الحقيقي في بعض المراحل، الأمر الذي أعطى صورة سلبية وأفقد أبين الكثير من الفرص.
أبين ليست محافظة فقيرة أو عاجزة، بل هي واحدة من أهم المحافظات الزراعية في اليمن، وتمثل سلة غذاء حقيقية بما تمتلكه من أراضٍ زراعية واسعة وموارد طبيعية وثروات كبيرة وموقع مهم. ومن المؤسف أن تبقى هذه الإمكانيات معطلة لسنوات، بينما يمكن لأبين أن تستعيد دورها الزراعي والاقتصادي وتساهم بقوة في تحقيق الأمن الغذائي ودعم الاقتصاد المحلي إذا توفرت الإرادة والدعم والاستقرار.
إن إعادة النشاط الزراعي في أبين يجب أن تكون أولوية، من خلال دعم المزارعين، وتأهيل الأراضي الزراعية، وتحسين مشاريع الري، والاستفادة من المساحات الشاسعة التي تمتلكها المحافظة، لأن التنمية الحقيقية تبدأ من استثمار موارد الأرض وخدمة الإنسان.
وفي خضم هذا الواقع، لا بد من الإشارة إلى بعض النماذج الإيجابية التي قدمت جهوداً ملموسة على الأرض، ومنها جهود مؤسسة الناصر التي ساهمت خلال الفترة الأخيرة في تنفيذ عدد من المشاريع التنموية، خصوصاً في مجالات الطرقات والطاقة، وهي خطوات مهمة تؤكد أن أبين قادرة على النهوض عندما تتوفر الإرادة والدعم الحقيقي والتنفيذ الجاد للمشاريع التي تخدم المواطنين.
اليوم، ومع وجود محافظ جديد لأبين، فإن الجميع أمام مسؤولية تاريخية. المطلوب ليس فقط المطالبة بالدعم، بل تهيئة بيئة آمنة ومستقرة وجاذبة للمنظمات والمشاريع، والعمل بروح واحدة بعيداً عن الصراعات والمصالح الضيقة.
رسالتي إلى محافظ أبين الجديد:
أبين تحتاج إلى صوت قوي يدافع عنها، وإدارة قادرة على إعادة ثقة المنظمات والجهات الداعمة، وفتح صفحة جديدة عنوانها التنمية والاستقرار وإعادة الاعتبار للمحافظة ومكانتها الاقتصادية والزراعية.
ورسالتي إلى أبناء أبين:
لن تتغير أبين إلا بأهلها، ولن تعود إلى مكانتها إلا عندما نقدم مصلحة المحافظة فوق أي اعتبارات أخرى، ونتعامل مع أي تدخل إنساني أو تنموي باعتباره فرصة لإنقاذ الناس وبناء المستقبل، لا ساحة للخلافات والتجاذبات.
أبين تستحق أفضل مما كانت عليه، وتستحق أن تعود محافظةً للحياة والتنمية والزراعة والأمل.
المهندس ناصر البشعي