إن التوافق اليمني اليمني هو حجر الزاوية الذي لا يمكن بدونه تشييد صرح الاستقرار المستدام داخل الحدود الجغرافية وعلى امتداد الخارطة السياسية والأمنية للمنطقة بأسرها.
إن جوهر الصراع اليمني وإن تداخلت فيه العوامل الخارجية يبقى في أصله أزمة بناء دولة واختلال في موازين الشراكة الوطنية.
ومن هنا تبرز الدولة المدنية الحديثة كخيار وحيد وقابل للحياة لإنهاء دوامة العنف.
إن الدولة التي تقوم على سيادة القانون والمواطنة المتساوية والتوزيع العادل للثروة والسلطة هي الضمانة الحقيقية لتبديد مخاوف كافة الأطراف المحلية وتحويل اليمن من ساحة للصراعات بالوكالة إلى دولة مؤسسات قادرة على ضبط حدودها وتأمين ممراتها المائية الحيوية.
كما أن الانتقال نحو المسار المدني يتطلب شجاعة سياسية من المكونات اليمنية كافة للإقرار بأن الغلبة العسكرية لن تحقق السلام وأن الاستقواء بالخارج لا يبني وطنا رشيدا ويؤسس لمواطنة حقيقية كما أن تقليد الآخر يوسع الشقاق داخل المنظومة الثقافية الواحدة لهذه الأمة وإن اختلفت معتقداتها وطوائفها .
وقد تبين أن جميع هذه المكونات بأفكارها المستوردة ترتع على الثقافة العامة وتتخذها وظيفة لتمرير مشاريعها العابرة للحدود الوطنية متأثرة بالآخر لا مؤثرة ومقلدة لا مجددة.
إن التوافق على عقد اجتماعي جديد وبيعة عامة- بعد التوافق على بناء وعي وطني يعيد ابتعاث جذوره من ثقافة اليمن القيمية التي ما تزال آثارها صاربة في مخيال الشعوب العربية وحتى في كتابات المستشرقين والمؤرخين وفي النصوص الأصولية- هو المدخل الحقيقي لاستعادة سيادة الدولة وهيبتها.
وعندما تنجح القوى اليمنية في صياغة هذا المشروع الوطني الجامع فإنها بذلك تسحب فتيل التوتر الإقليمي، فيزول القلق لدى الجوار من وجود فراغ أمني أو تحولات سياسية تهدد أمنهم الإقليمي وبهذا التحول يعاد صناعة القربى من خلال التكامل وتجسير مشاريع التنمية في مجالات الأمن والاقتصاد والثقافة ووشائج القربى الثقافية والتاريخية والأخوية .
فاليمن المستقر بمدنيته ومؤسساته سيصبح شريكا فاعلا في منظومة الأمن الجماعي ومساهما في تعزيز التجارة الدولية عبر مضيق باب المندب بدلا من كونة مصدرا للتهديدات العابرة للحدود.
علاوة على ذلك فإن بناء الدولة المدنية في اليمن سيعيد صياغة علاقة اليمن بمحيطه العربي والإقليمي على أسس من المصالح المشتركة والتعاون الاقتصادي والتكامل التنموي وسيخرجه من الارتهان السياسي والأمني للخارج. إن نجاح اليمنيين يبدأ باللجلوس على طاولة الحوار وتغليب المصلحة الوطنية العليا وذلك سيؤدي بالضرورة إلى تبريد بؤر الصراع في المنطقة مما يسمح للقوى الإقليمية بإعادة توجيه مواردها نحو التنمية والازدهار بعيدا عن استنزافها في حروب طويلة.
وفي نهاية المطاف يظل التوافق اليمني هو المفتاح الذهبي الذي يفتح أبواب السلام الإقليمي مؤكدا أن استقرار الإقليم يبدأ من قلب اليمن القوي، المدني والموحد في إرادته السياسية.
فهل تمتلك جميع المكونات مشاريع يطرق أبواب الحوار بمنهجية تتجاوز الأنا نحو وطن مساو للجميع أم أنها تخشى ان يخرجها هذا الحوار من السلطة والنفوذ والمحاصصة .
إن العالم اليوم يتحول بناء على طرقات ثورة الربيع العربي ومن داخل القوى الدولية وهو ما جعل الأحزاب الديمقراطية تتأخر أمام إرادة شعوبها بتنامي أحزاب من خارج السلطة.
إن ثقافة الشعوب الأوروبية لا تبحث عن وظائف في الدولة وإنما عن دور هذه الوظائف في خدمة الشعب وتحقيق أمنه وكرامته ورفاهيته .
بل إن الثقافة العامة تدفع بالكثير نحو الوظيفة الخاصة بدلا من العامة لأن معايير الوظيفة واحدة وحقوقها متساوية ولا مكانة أعلى في المجتمع من الفيلسوف والمفكر والباحث الذين يصنعون توجهها ويرسمون خارطتها. نحو المستقبل وفي مواجهة المتغيرات .
إن الشعب بثقافته الأصولية أساس الأمن والاستقرار والحكم .
ومن ثم اتجه العالم المتقدم من استراتيجية الإرادة الشعبية إلى استراتيجية الهيمنة على الحكام المقهورين ومن ثم الهيمنة الاقتصادية بينما يستثمر الشعب وجوده عالميا في مجالات مختلفة وهو ما جعل من الفرد الغربي نموذجا عالميا بحضارته وثقافته وأخلاقه بينما توجب على الشعوب العربية إن تستنسخ ما تراه كامن في اهوائها إلا من ذاق أصالة القيم وتعمق في إرثه وتاريخه .
ولتحويل الرؤية إلى واقع ملموس يجب أن يسير قطار السلام في اليمن وفق تراتبية منطقية تبدأ من ترميم البيت الداخلي وصولا إلى تصدير الاستقرار للمحيط.
أولا: الخطوات الداخلية وتبدا ببناء الثقة وهيكلة الدولة عبر مؤتمر وطني للمصالحة يؤسس لمبدأ التوافق على هوية الدولة.
وبناء على مؤتمر المصالحة يؤسس ل:
- لحوار وطني شامل يقر بصيغة الدولة المدنية التي تحترم التعددية بعيدا عن الاستقواء بالسلاح أو الأيديولوجيات الإقصائية.
- توحيد القرار العسكري والأمني و دمج التشكيلات العسكرية تحت مظلة مؤسسة وطنية واحدة. و هذه الخطوة هي الضمانة الوحيدة لمنع نشوب صراعات مستقبلية ولطمأنة الجوار بأن السلاح في يد دولة وليس خاضعة لارادة الجماعات والمكونات من خارجها.
- الإصلاح المؤسسي والاقتصادي عبر تفعيل البنك المركزي وتأسيس العملة وتأمين الموارد الوطنية (النفط والغاز).
- تحقيق الاستقرار المعيشي للمواطن باعتباره السياج الأول الذي يحمي السلام من الانهيار.
- العدالة الانتقالية والمصالحة عبر فتح ملفات المتضررين وجبر الضرر لضمان عدم تحول الثارات الاجتماعية إلى وقود لصراعات قادمة.
ثانيا: الخطوات العابرة للحدود عبر تطبيع العلاقات والالتزامات من خلال:
- إعلان الحياد الإيجابي و تبني سياسة خارجية تقوم على عدم التدخل في شؤون الآخرين والنأي باليمن عن سياسة المحاور مما يجعله نقطة تلاق للتكامل والتوازن وليي ساحة لتصفية الحسابات والتنافس بالشرف وليس بالطرق الضالة.
- بروتوكولات الأمن المشترك عبر توقيع اتفاقيات أمنية مع دول الجوار تضمن حماية الحدود المشتركة ومكافحة التهريب والإرهاب مما يحول اليمن من مصدر قلق إلى شريك أمني.
- تأمين الملاحة الدولية بتقديم ضمانات مؤسسية عبر الدولة المدنية- بحماية مضيق باب المندب وهو ما يمثل مصلحة عليا للاقتصاد العالمي ودول الإقليم.
ثالثا: الخطوات الإقليمية من خلال برامج الاندماج والتنمية:
- مشروع مارشال يمني ودعوة الأشقاء والشركاء الدوليين للمساهمة في إعادة الإعمار ليس كمنح إغاثية وإنما كاستثمارات في بنية تحتية تربط اليمن بجيرانه (طرق، طاقة، شبكات ربط كهربائي).
- الاندماج الاقتصادي التدريجي و السعي لتأهيل الاقتصاد اليمني للاندماج في السوق الخليجية مما يخلق ترابطا عضويا يجعل من استقرار اليمن مصلحة اقتصادية مباشرة لكل دول المنطقة.
وأخيرا ف إن السلام الذي يبدأ من الداخل عبر دولة مدنية قوية يسقط تلقائيا الذرائع الخارجية للتدخل والصراع الداخلي على النفوذ ويمنح الإقليم شريكا موثوقا يمكن الرهان عليه في بناء منظومة أمن وازدهار جماعي يحقق التنمية للمنطقة ويساهم في مشروع محمد بن سلمان بأن تكون المنطقة العربية هي أوروبا الجديدة وتبدأ مركزيتها من داخل الجزيرة العربية .
إن هذا المشروع هو جوهر الحضارة العربية للتنمية والسلام ولليمن فيه دورا مهما ورئيسا لل يقل أهمية عن دور السعودية فيه ولا مكان لحضارة عربية ما لم تبدأ باليمن الذي به بدت حضارة الإسلام وحاضنته والتاريخ يعيد نفسه بنفس الصور والمجتمعات والقيم والأفكار. .