آخر تحديث :الخميس-07 مايو 2026-03:20م

دروس مستفادة من تجربة حزب العمال الكردستاني في تجاوز محاولات إسقاط مشروعه السياسي

الخميس - 07 مايو 2026 - الساعة 02:06 م
د. باسل باوزير

بقلم: د. باسل باوزير
- ارشيف الكاتب


د. باسل باوزير


ثمة لحظات في تاريخ الحركات السياسية والتحررية تشكل منعطفات وجودية حاسمة، لحظات يُختبر فيها المشروع السياسي بأكمله، لا في قدرته على المواجهة الميدانية فحسب، بل في عمقه الفكري ومرونته التنظيمية وقدرته على إعادة إنتاج ذاته في ظروف تبدو مستحيلة.

يمثل الخامس عشر من فبراير عام 1999 إحدى هذه اللحظات الفارقة. في ذلك اليوم، تم اعتقال عبد الله أوجلان، المؤسس والقائد التاريخي لحزب العمال الكردستاني. كان المشهد الذي بُثّ للعالم يحمل رمزية بالغة، فالزعيم الذي قاد تمرداً مسلحاً لخمسة عشر عاماً، يجلس مكبّل اليدين أمام العلم التركي، في صورة أراد لها صانعوها أن تكون إعلاناً بالنصر النهائي على المشروع الكردي.

لقد راهن خصوم الحزب على معادلة بسيطة في ظاهرها، وهي إذا كان هذا التنظيم قد قام على زعيم كاريزمي أوحد، فإن إزاحته من المشهد ستعني حتماً انهيار التنظيم وتلاشي مشروعه السياسي. لكن ما حدث بعد ذلك بأشهر وسنوات أثبت أن هذه المعادلة كانت خاطئة بشكل جوهري. لم ينهار حزب العمال الكردستاني، بل دخل في عملية تحول عميقة جعلته أكثر مرونة وقدرة على البقاء، وأكثر اتساعاً في تأثيره الإقليمي.

هذا المقال ليس استنتاج جرى تشكيله عن بُعد. إنه نابع مما أُمكنت معاينته عن قرب، من خلال متابعة ميدانية للتجربة الكردية في حواضنها الرئيسية، حيث توزع الأمل على جبال شمال العراق (الحكم الذاتي)، وتجسد مشروعاً فكرياً يحكم نفسه بنفسه في سهول شمال شرق سوريا (الإدارة الذاتية). وهي قصة تحمل في طياتها دروساً عميقة لأي مشروع سياسي يواجه خطر الاحتواء أو التصفية.


لم يكن غياب أوجلان نهاية لعلاقته بحزبه، بل كان بداية لمرحلة جديدة اختلفت في طبيعتها عن كل ما سبقها. فمن داخل سجنه، شرع أوجلان في التحول الجوهري والانتقال من مشروع الدولة القومية المستقلة إلى نموذج "الكونفدرالية الديمقراطية". فبدلاً من السعي إلى تغيير الحدود، أصبح المشروع يدور حول تغيير طبيعة السلطة داخل الحدود القائمة، عبر تبني نموذج يقوم على الحكم الذاتي المحلي.

هذا التحول لم يكن مجرد مناورة أو تراجعاً عن الأهداف، كما حاول بعض المنتقدين وصفه. بل كان إعادة تعريف جذرية للمشروع السياسي جعلته ينتقل من كونه مشروعاً قومياً ضيقاً إلى كونه مشروعاً مجتمعياً ديمقراطياً قابلاً للتطبيق في سياقات متعددة.


الدرس الأول الذي يمكن استخلاصه من هذه التجربة هو أن المشاريع السياسية التي تصمد هي تلك التي تنجح في التحول من كونها تعبيراً عن طموحات زعيم أو مجموعة من القادة، إلى كونها فكرة تمتلك مقومات الحياة الذاتية. فالأفكار التي يتم صياغتها بشكل منهجي، وتُنتج أدبياتها الخاصة، وتُدرّس في مؤسساتها التعليمية، تخلق أجيالاً من الكوادر التي لا ترتبط بالأشخاص بل بالمشروع. وعندما تصبح الفكرة هي الأساس، فإن إزاحة الشخصيات القيادية تتحول من كونها ضربة قاضية إلى كونها أزمة يمكن تجاوزها. قد تؤدي إلى ارتباكات مؤقتة، وقد تفتح الباب لصراعات داخلية، لكنها لا تؤدي إلى انهيار المشروع السياسي بأكمله، لأن المشروع لم يعد قائماً على الشخص بل على الفكرة التي تحولت إلى مؤسسات وممارسات وثقافة تنظيمية.


الدرس الآخر هو التحول التنظيمي الذي جعل هذا البقاء ممكناً على أرض الواقع. لقد أدركت قيادة الحزب أن استمرار الهيكل التنظيمي الهرمي الصارم الذي كان قائماً قبل الاعتقال سيجعل التنظيم فريسة سهلة للاختراق والتفكيك. فكان تأسيس "اتحاد مجتمعات كردستان" في عام 2005 تتويجاً لعملية إعادة هيكلة شاملة. قامت فلسفة الاتحاد على مبدأين أساسيين: اللامركزية، والقيادة الجماعية. فبدلاً من الزعيم الواحد الذي يسيطر على كل شيء، تم توزيع السلطة على شبكة معقدة من المجالس والهيئات المنتخبة. وبدلاً من الهيكل الهرمي الذي يمكن ضرب رأسه ليشل الجسد كله، تم بناء تنظيم متعدد الرؤوس والمراكز، يعمل بتنسيق عالٍ لكن باستقلالية كبيرة لكل جزء من أجزائه. كان من أبرز مظاهر هذا التحول اعتماد نظام "الرئاسة المشتركة" على كل المستويات القيادية. هذا النظام لم يكن مجرد إجراء شكلي أو تجميلي، بل كان إعادة تعريف جذرية لمفهوم القيادة والسلطة. فالرئاسة المشتركة تعني أن القرارات تُتخذ بشكل جماعي، وأن السلطة موزعة بطبيعتها، وأن إزاحة أي فرد -مهما كان موقعه- لا تؤدي إلى فراغ قيادي. وقد ترافق هذا النظام مع إنشاء مؤسسات تشريعية وتنفيذية متعددة، مثل مؤتمر شعب كردستان الذي يضم ممثلين منتخبين من مختلف المناطق الكردية ومنظمات المجتمع المدني المرتبطة بالحركة. هذه المؤسسات خلقت نظاماً للحكم داخل التنظيم لا يعتمد على الأفراد، بل على العمليات المؤسسية والتداول السلمي للسلطة.


من الدروس التنظيمية المهمة التي يمكن استخلاصها من هذه التجربة هو أهمية التخصص والتعدد التنظيمي في تحصين المشروع السياسي من التفكيك. فعندما يكون التنظيم كتلة واحدة متجانسة، فإن اختراق أي جزء منه يمكن أن يؤدي إلى انهيار الكل. أما عندما تكون هناك أذرع متعددة ومتخصصة -سياسية، وعسكرية، واجتماعية، وثقافية، وشبابية، ونسائية- فإن ضرب أحد هذه الأذرع لا يؤدي إلى شلل الأذرع الأخرى. لقد بنى حزب العمال الكردستاني شبكة واسعة من المنظمات المتخصصة التي تعمل بتناغم لكن باستقلالية نسبية. فإلى جانب الجناح العسكري التقليدي، هناك أحزاب سياسية مدنية، ومنظمات نسائية، واتحادات شبابية، ومؤسسات ثقافية ولغوية، وهيئات للحكم المحلي. هذا التعدد جعل التنظيم أشبه بكائن حي متعدد الأجهزة، يمكنه أن يفقد أحد أطرافه دون أن يفقد قدرته على الحياة والحركة.


ربما كان الدرس الأكثر إثارة للانتباه في هذه التجربة هو القدرة الفائقة على قراءة المتغيرات الإقليمية والدولية وتحويلها إلى فرص للتمدد والتطور، بدلاً من أن تكون تهديدات وجودية. فعندما اندلعت الحرب الأهلية السورية في عام 2011، رأى كثيرون فيها فوضى عارمة قد تبتلع الجميع. لكن الحزب رأى فيها فرصة تاريخية لتطبيق مشروعه السياسي على أرض الواقع.


ومن أهم الدروس التكيف مع البيئات العدائية. لقد واجه الحزب تحالفاً إقليمياً ودولياً واسعاً يسعى إلى تصفيته، من تركيا إلى إيران إلى سوريا والعراق، ناهيك عن تصنيفه منظمة إرهابية من قبل دول كبرى. وفي مواجهة هذا الحصار، طوّر الحزب آليات للعمل التنظيمي، والتمويه، والانتشار في مناطق يصعب الوصول إليها. كما طوّر قدرات متطورة في مجال الحرب النفسية والإعلامية، عبر شبكة واسعة من وسائل الإعلام والمنصات الرقمية التي تنقل روايته إلى العالم وتكسب التعاطف الدولي. هذا البُعد الإعلامي كان حاسماً في تحويل الحزب من مجرد تنظيم عسكري إلى حركة سياسية ذات امتداد دولي.


ومن الدروس المهمة التجذر الاجتماعي والاقتصادي. لا يمكن لأي مشروع سياسي، مهما بلغت قوته العسكرية أو تماسكه التنظيمي، أن يصمد طويلاً دون قاعدة اجتماعية حاضنة. وقد أدرك الحزب منذ بداياته أن الكرد، رغم انتشارهم الواسع في المنطقة، يفتقرون إلى التماسك الاجتماعي والسياسي بسبب التقسيم القبلي والجغرافي واللهجات المختلفة. لذا كرّس جهوداً هائلة لبناء هوية سياسية كردية جامعة تتجاوز هذه الانقسامات. وقد أثمرت هذه الجهود عن قاعدة اجتماعية واسعة لا تقتصر على المقاتلين في الجبال، بل تمتد إلى شرائح واسعة من السكان في المدن والأرياف. هذه القاعدة هي التي توفر الدعم اللوجستي والبشري والمعنوي الذي لا غنى عنه للاستمرار، وهي التي تجعل من المستحيل القضاء على التنظيم، ما دام يحتضنه نسيج اجتماعي واسع.


ومن الدروس التي لا تقل أهمية هو قدرة الحزب على بناء موارده الاقتصادية بشكل مستقل، مما جعله محصناً نسبياً ضد الضغوط الجيوسياسية. فقد طوّر الحزب شبكة اقتصادية تشمل الشركات التجارية، والاستثمارات، وغيرها من الأنشطة الاقتصادية. هذا الاستقلال المالي النسبي وفر للحزب هامشاً واسعاً للمناورة السياسية والعسكرية. وجعله قادراً على اتخاذ قراراته بناءً على مصالحه الذاتية واستراتيجيته المستقلة. وهذا الاستقلال هو أحد الأسباب التي جعلت الحزب قادراً على البقاء رغم كل محاولات الاحتواء والتطويق.


هذه الدروس، المستخلصة من تجربة حزب العمال الكردستاني التي امتدت لعقود في واحدة من أكثر مناطق العالم تعقيداً واضطراباً، تقدم إطاراً تحليلياً لفهم شروط صمود المشاريع السياسية في وجه محاولات الاحتواء والتصفية. إنها تذكرنا بأن القضايا الوطنية الكبرى لا تموت بغياب الرموز إذا ما تحولت تلك الرموز إلى دستور عمل والتنظيمات إلى مؤسسات.