آخر تحديث :الخميس-07 مايو 2026-03:20م

تزايد حوادث هروب الفتيات في المجتمع اليمني .. ناقوس خطر يبحث عن الإنصات وأسئلة لا تحتمل الصمت

الخميس - 07 مايو 2026 - الساعة 02:05 م
محمود السودي

بقلم: محمود السودي
- ارشيف الكاتب



في المجتمعات المحافظة، لا تُقرى ظاهرة هروب الفتيات حدثًا عابرًا، بل صدمة اجتماعية تهز الأسرة والمجتمع، وتفتح أبوابًا من الخوف والتساؤلات. وفي اليمن، حيث تتداخل العادات والتقاليد مع الفقر والحرب وضعف مؤسسات الحماية، تصبح هذه الظاهرة أكثر حساسية لأنها تمس سمعة الأسرة من جهة، وأمان الفتاة وحقوقها من جهة أخرى.

هروب الفتاة من منزلها ليس قرارًا بسيطًا، ولا يحدث غالبًا بلا أسباب. فقد تهرب من عنف، أو قسوة، أو زواج قسري، أو حرمان من التعليم، أو بيئة أسرية لا تسمح لها بالكلام والشكوى. وهنا تكمن الخطورة: أن المجتمع قد ينشغل بإدانة النتيجة، وينسى البحث عن الأسباب.

في المجتمع اليمني، تُربى كثير من الفتيات على الطاعة المطلقة والصمت أكثر من الحوار والثقة بالنفس. وحين تتعرض الفتاة للضرب أو الإهانة أو التهديد بالزواج أو المنع من الدراسة، ولا تجد من يسمعها، قد ترى الهروب — رغم إدراكها خطورته — طريقًا للنجاة.

ومن الأسباب البارزة أيضًا التفكك الأسري الناتج عن الفقر والحرب والنزوح، وما يرافقه من غياب الأب أو المعيل، وضغوط نفسية واقتصادية، وضعف الاحتواء الأسري، وتراجع التعليم، وارتفاع حالات الزواج المبكر باعتباره “حلًا” لدى بعض الأسر.

ولا يمكن تجاهل دور التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي، فقد فتحت هذه الوسائل نوافذ واسعة أمام الفتيات، لكنها قد تعرض بعضهن للاستغلال والخداع، خصوصًا حين تغيب الرقابة الواعية والحوار داخل الأسرة. فقد تظن الفتاة أن الخارج أكثر أمانًا من الداخل، بينما قد يكون أكثر خطورة.

ومع ذلك، فإن هروب الفتاة لا ينبغي أن يكون خيارًا ؛ لأنه قد يضعها أمام مخاطر أشد من المشكلة التي هربت منها، كالاستغلال والابتزاز والعنف. لذلك نقول لكل فتاة تعاني من ظلم أو تهديد: لا تصمتي، ولكن لا تهربي إلى المجهول. ابحثي عن شخص موثوق من الأقارب، أو معلمة، أو جارة عاقلة، أو جهة حماية مسؤولة، واطلبي المساعدة قبل اتخاذ قرار قد يضاعف معاناتك.

كما ينبغي على الفتيات الحذر من الوعود عبر الهاتف ومواقع التواصل؛ فليس كل من يستمع صادقًا، وليس كل من يعد بالمساعدة أمينًا. الشجاعة ليست في الهروب إلى المجهول، بل في طلب النجدة الصحيحة واختيار الطريق الآمن.

لكن معالجة الظاهرة لا تكون بالتشهير أو العقاب وحده، ولا بتحويل الفتاة إلى مجرمة اجتماعية. المطلوب أن يسأل المجتمع: لماذا هربت؟ ممن كانت تخاف؟ وهل وفرنا لها وسائل آمنة للحماية قبل وقوع الكارثة؟

إن الأسرة هي خط الدفاع الأول. والبيت المحافظ الحقيقي ليس البيت الذي يكثر فيه الخوف، بل البيت الذي يجمع بين القيم والرحمة، وبين الضبط والحوار، وبين الحماية والإنصات. فالفتاة لا تحتاج إلى انفلات، بل إلى كرامة وثقة وتعليم وشعور بأن لها صوتًا ومستقبلًا.

وعلى المدارس والخطباء والإعلام ومنظمات المجتمع المدني التعامل مع هذه الظاهرة بوعي ومسؤولية، عبر نشر ثقافة الحوار الأسري، والتحذير من العنف والزواج القسري، وتعزيز مفهوم الحماية لا الفضيحة، وفتح قنوات آمنة للفتيات المعرضات للخطر.

إن هروب الفتيات في اليمن ليس مجرد خروج من باب المنزل، بل جرس إنذار لمجتمع يحتاج إلى مراجعة أساليب التربية، والتفريق بين المحافظة والقسوة، وبين الحماية والسيطرة.

وحين يصبح الحوار أقوى من الخوف، والرحمة أوسع من العيب، والعدالة أسبق من الإدانة، يمكن أن تنحسر هذه الظاهرة، لا بالقمع، بل بالوعي والمسؤولية والإصلاح.



*🖋️/ الطبيب محمود السودي*