لم تكن حضرموت يومًا حيزًا جغرافيًا أو إرثًا تاريخيًا في الحسابات السياسية، ولا مساحة هامشية على خارطة الصراعات؛ بل كانت، ولا تزال، الرقم الصعب في معادلة البقاء والاستقرار، والصخرة التي تتحطم عليها أوهام الهيمنة وتتبدد عندها أحلام الوصاية.. غير أن المشهد الضبابي الذي يلفّ حضرموت اليوم يبعث على الريبة، ويشرع الأبواب أمام تساؤلات مشروعة بقدر ما هي مؤلمة في آن واحد.
ففي اللحظة التي سطّر فيها المجتمع الحضرمي وقبائله الأبية - تحت كنف «حلف قبائل حضرموت» - ملاحم الصمود والتضحية، مقدمين أرواحهم على أكفّهم ذودًا عن الكرامة وكسرًا لجبروت الاستعلاء، نجد من يحاول تجاهل ذلك، وهو ما يثير الحنق في الشارع الحضرمي إضافة إلى إفرازات الواقع المثقل بالإخفاقات الخدمية والانتكاسات المعيشية.. فكيف يستقيم في منطق الدولة - كما يُروّج لها - أن يُكافأ من نكثوا العهود وأداروا ظهورهم لحضرموت في أحلك الظروف، عبر تسوية أوضاعهم وصرف مستحقاتهم، بينما يُدفع بالمخلصين من ضباط وجنود «قوات حماية حضرموت» ورموز النضال ورجال المقاومة البواسل إلى أرصفة التهميش والنسيان؟
إن سياسة «إكرام المسيء وتجاهل المحسن» لا يمكن توصيفها كخلل إداري، بل هي طعنة غائرة في خاصرة الشرف، وإشارة سلبية تقوّض مصداقية الدولة وتؤكد ارتهان القرار لمنطق المحسوبيات على حساب الكفاءة والولاء للأرض.. إنها ببساطة، تكريسٌ لثقافة المكافأة على الخذلان، ومعاقبةٌ مبطنة على الإخلاص والوفاء.
لقد لُدغت حضرموت مرارًا من جحر الوعود الجوفاء، وفي دهاليز السياسة المظلمة، غالبًا ما تُفسر «الأنفة» الحضرمية وسجية التسامح على أنها ضعف، مما يمنح الماكرين والمتسلقين من بقايا «الخراب الحزبي» فرصة لإعادة تدوير شخوصهم على حساب دماء وتضحيات هذا الشعب العظيم.
إن حالة الركود والفراغ السياسي الملحوظ، وأعني به ما يخص حضرموت وتطلعات أهلها في الحاضر والمستقبل، وما يصاحبها من صمت مطبق تجاه استنزاف الموارد والعبث بالمقدرات، تثير ريبة تتجاوز حدود المصادفة.. حتى أن البعض يعد هذا الفراغ «مدروسًا» بعناية لتمرير أجندات، تهدف إلى إبقاء حضرموت في حالة ارتهان دائم، وسلبها حقها في إدارة شؤونها وقرارها المستقل..
وهنا، استنفدت حضرموت طاقتها في الصبر على سياسات التهميش ، والاستخفاف، ولم يعد مقبولًا اليوم الاكتفاء ببيانات إنشائية أو وعود تذروها الرياح.. وهي تنتظر فعلًا ينبثق من تراب الأرض، ورؤية وطنية حضرمية صلبة تتجاوز الحسابات الضيقة، وتضع مصلحة «الإنسان الحضرمي» وكرامته فوق كل اعتبار.. وستظل حضرموت الأبقى.. رغم معادلة الإقصاء..