آخر تحديث :الأربعاء-06 مايو 2026-02:29م

ميناء أم كهرباء؟ أين يبدأ التعافي الاقتصادي في عدن؟

الأربعاء - 06 مايو 2026 - الساعة 12:02 م
نايف حمود العزي

بقلم: نايف حمود العزي
- ارشيف الكاتب


في عدن، لا يبدأ الحديث عن الاقتصاد من الأرقام، بل من اليوميات، من حرارة لا تُحتمل، وانقطاعات كهرباء طويلة، ومدينة تُدار إيقاعاتها على ضوء المولدات الخاصة لا على استقرار الشبكة العامة. في مثل هذا الواقع، يبدو النقاش حول الميناء أو الكهرباء أقرب إلى مفاضلة بين ما هو مُلحّ وما هو ممكن.

لا يُطرح التعافي الاقتصادي عادةً بوصفه مسألة ترتيب أولويات، بل كعملية متكاملة تشمل البنية التحتية، والاستقرار النقدي، وتحفيز النشاط الاقتصادي. ويفترض هذا التصور ضمنًا أن الدولة تمتلك القدرة على التحرك في أكثر من اتجاه في الوقت ذاته، وأن الموارد يمكن توزيعها بما يسمح بتحقيق أثر متوازن.

غير أن هذا الافتراض لا ينطبق على حالات الاقتصاد الهش، حيث تصبح الموارد محدودة، والقدرة التنفيذية مجزأة، ما يجعل ترتيب الأولويات شرطًا لازمًا لأي تدخل فعّال.

في حالة عدن، يتكرر النقاش بين مسارين رئيسيين:

إعادة تشغيل ميناء عدن بكفاءة أعلى، أم التركيز على دعم قطاع الكهرباء بوصفه المدخل الأكثر إلحاحًا لاستقرار النشاط الاقتصادي.

غير أن هذا الطرح يفترض أن هذين المسارين مستقلان، وأن اختيار أحدهما يعني تأجيل الآخر.

في الواقع، المسألة أكثر تعقيدًا.

ضمن هذا الإطار، لا يصبح السؤال: أيهما أهم؟

بل: أيهما يملك القدرة على إعادة ربط الاقتصاد ببنيته أولًا؟

وفي هذا المعنى، لا يدور النقاش حول ترتيب القطاعات، بل حول تحديد نقطة الارتكاز التي يمكن أن يتجمع عندها النشاط الاقتصادي.

فالمسألة في جوهرها ليست مفاضلة بين قطاعين، بل تحديد نقطة البداية في اقتصاد فقد مركزه، وأصبح يعمل عبر أجزاء غير مترابطة.

أولًا: الميناء كمدخل للسيطرة على التدفقات

يمثل الميناء في أي اقتصاد مفتوح نقطة العبور الرئيسية للتدفقات السلعية، وبالتالي أحد أهم أدوات التأثير في الأسعار والإيرادات وتنظيم السوق. كما أنه الحلقة المركزية في سلاسل الإمداد التي تربط الاقتصاد المحلي بالأسواق الخارجية، ومن خلاله تتحدد قدرة المدينة على الوصول إلى الموارد والسلع والعملات الأجنبية.

في حالة عدن، لا يتعلق دور الميناء فقط بالاستيراد، بل بتنظيم دخول السلع وتوحيد نقطة الجباية وتقليل كلفة النقل والتأخير وتحسين شفافية العمليات التجارية. وبهذا المعنى، لا يربط الميناء الاقتصاد بنفسه، بل بالعالم الخارجي، ليعمل بوصفه منفذًا تتدفق عبره الموارد الأساسية التي يعتمد عليها بقية النشاط الاقتصادي.

وبهذا المعنى، لا يُعد الميناء مجرد منشأة لوجستية، بل أداة لاستعادة قدر من السيادة الاقتصادية، ونافذة يمكن من خلالها ضبط حركة العملة والسلع التي تشكّل أساس أي عملية تعافٍ لاحقة، بما في ذلك إصلاح القطاعات الخدمية مثل الكهرباء. وفي هذا الإطار، لا يكون الميناء مجرد بوابة للتجارة، بل أداة لتحديد من يملك حق الوصول إلى الاقتصاد نفسه، ونقطة تمركز يمكن أن يُعاد عبرها تعريف العلاقة بين الدولة والسوق.

غير أن هذا الدور لا يُختزل في كونه مسألة تقنية تتعلق بالكفاءة التشغيلية، بل هو في جوهره مسألة سياسية وإدارية في آن واحد، تتصل بمن يملك القرار داخل الميناء، وكيف تُدار إيراداته، ولصالح أي مركز. فالميناء، في بيئة تتعدد فيها مراكز النفوذ، قد يعكس الانقسام بدل أن يعالجه، خصوصًا في غياب إدارة موحدة قادرة على ضبط عملياته وربطه ببقية الاقتصاد.

ثانيًا: الكهرباء كشرط لبقاء النشاط الاقتصادي

في المقابل، تمثل الكهرباء شرطًا مباشرًا لاستمرار النشاط الاقتصادي اليومي، وانقطاعها لا يؤدي فقط إلى ارتفاع التكاليف، بل إلى تعطّل الإنتاج وارتفاع أسعار السلع وتراجع القدرة الشرائية وتوسّع الاقتصاد غير الرسمي.

وبذلك، لا تعمل الكهرباء كقطاع مستقل، بل كعامل حاسم يؤثر في كل مفاصل الاقتصاد الحضري. وإذا كان الميناء يربط الاقتصاد بالعالم الخارجي، فإن الكهرباء تربطه بذاته، لأنها تمثل البنية التي تسمح بتحويل الموارد إلى نشاط اقتصادي فعلي داخل المدينة.

غير أن الاستثمار في الطاقة، خصوصًا في ظل غياب منظومة تمويل مستقرة، غالبًا ما يتحول إلى حل مؤقت يعالج العرض دون أن يغيّر البنية التي تنتج الأزمة.

فالكهرباء تُبقي الاقتصاد قائمًا، لكنها لا تعيد تنظيمه.

ولهذا، فإن تحسين الكهرباء يعالج أعراض الاختلال، لكنه لا يعيد تشكيل القواعد التي أنتجته.

ثالثًا: المفارقة—قطاعان يعملان داخل اقتصاد غير موحد

تكمن الإشكالية في أن كلاً من الميناء والكهرباء يعمل داخل اقتصاد لا تحكمه قواعد موحدة، فحتى لو تحسن أداء الميناء، قد لا تنخفض الأسعار وقد لا تتوحد الإيرادات.

كما لو استقرت الكهرباء، قد لا يتحسن الاستثمار وقد لا تنتظم السوق.

وذلك لأن المشكلة لا تكمن فقط في أداء القطاعات، بل في غياب الإطار الذي يربط بينها.

وهنا يتحول التحسن إلى أثر معزول، لا إلى تحول اقتصادي فعلي.

رابعًا: أين يبدأ الأثر الحقيقي؟

إذا كان الهدف هو تحقيق أثر اقتصادي سريع ومباشر، فإن دعم الكهرباء يبدو أكثر إلحاحًا، لأنه يمس النشاط اليومي ويؤثر فورًا في تكلفة الإنتاج والمعيشة.

لكن إذا كان الهدف هو استعادة القدرة على ضبط الاقتصاد، فإن الميناء يمثل نقطة بداية أكثر عمقًا، لأنه يعيد تنظيم التدفقات ويؤسس لإيرادات يمكن البناء عليها.

وهنا يظهر الفرق بين استقرار مؤقت تحققه الكهرباء، وإعادة تشكيل البنية التي يمكن أن يبدأها الميناء، أي بين تدخل يستجيب لضغط الأزمة، وتدخل يعيد تنظيم الاقتصاد الذي أنتجها.

خامسًا: لماذا يفشل الاختيار الثنائي؟

الطرح الذي يضع الميناء في مقابل الكهرباء يفترض أن الاقتصاد يمكن إصلاحه عبر قطاع واحد، غير أن التجربة تشير إلى أن أي تدخل معزول، في غياب إطار مؤسسي موحد، يفقد جزءًا كبيرًا من أثره.

فالكهرباء دون ضبط التدفقات تعني استمرار ارتفاع الأسعار، والميناء دون طاقة مستقرة يعني ضعف القدرة على الاستفادة منه.

وبذلك، لا يكون التحدي في اختيار القطاع، بل في تحديد نقطة البداية التي يمكن أن تُبنى عليها بقية التدخلات.

فالمشكلة ليست في ترتيب الأولويات، بل في غياب نقطة تتكامل عندها.

كما أن الحديث عن الميناء بوصفه مصدرًا لتمويل الكهرباء يفترض ضمنًا أن إيراداته متاحة ومجمّعة ضمن وعاء واحد، بينما الواقع يشير إلى أن هذه الإيرادات موجودة لكنها مبعثرة بين قنوات متعددة.

ومن هنا، لا يصبح السؤال فقط كيف نزيد الإيرادات، بل كيف نوحّدها، بحيث يمكن أن تتحول إلى أداة تمويل فعلية لقطاعات حيوية مثل الكهرباء.

خاتمة: أين نبدأ؟

لا يمكن للاقتصاد في عدن أن يتعافى عبر تحسين قطاع واحد بمعزل عن الآخر، لكن ترتيب الأولويات يظل حاسمًا في ظل محدودية الموارد.

وفي هذا الإطار، قد يكون البدء بالميناء، بوصفه نقطة تحكم في التدفقات والإيرادات، مدخلًا أكثر قدرة على إعادة بناء الحد الأدنى من التنظيم الاقتصادي، شريطة أن يترافق ذلك مع تدخلات سريعة لتخفيف اختناق الطاقة.

فالتعافي لا يبدأ من حيث الألم الأكبر فقط، بل من حيث يمكن استعادة القدرة على توجيه مسارات الاقتصاد.

فالمشكلة في عدن ليست في غياب الموارد، بل في غياب النقطة التي تتجمع عندها.

وفي هذا المعنى، لا يتعلق التعافي بإصلاح القطاعات بقدر ما يتعلق بإعادة بناء الرابط الذي يجمعها.

وبغير ذلك، سيظل كل تحسن قطاعي يعمل داخل اقتصاد لا يزال بلا مركز.