لم يكن اليمن يومًا مجرد جغرافيا على خارطة، بل كان تاريخًا حيًا، وحضارةً عريقة، وشعبًا عُرف بالحكمة والصبر. غير أن هذا الوطن الذي حمل كل تلك القيم، يجد نفسه اليوم في واحدة من أقسى مراحله، حيث لم يعد الخطر يأتيه من الخارج بقدر ما يتشكل من داخله… من أبنائه الذين اختلفوا حتى تمزق بهم الوطن.
ما يعيشه اليمن اليوم ليس صراعًا سياسيًا طبيعيًا، بل حالة تشظٍ غير مسبوقة. تعددت المليشيات، وتباينت المشاريع، وتداخلت الولاءات، حتى غابت الدولة ككيان جامع، وحلّت محلها قوى متفرقة، لكلٍ منها حساباتها وأجنداتها. لم يعد السلاح وسيلة ضغط، بل أصبح لغةً يومية لإدارة الخلاف، وهو ما قاد البلاد إلى دوامة من العنف المستمر والانهيار المتسارع.
في الشمال، تُدار المناطق بقوة الأمر الواقع، حيث تُفرض سياسات لا تعكس بالضرورة إرادة المجتمع، بل تخدم مشروعًا خاصًا يكرّس الهيمنة ويُقصي الآخر. وفي الجنوب، تتزاحم التشكيلات وتتعدد المرجعيات، وتتصارع الرؤى، في مشهد يعكس غياب التنسيق ووحدة الهدف، رغم وحدة المعاناة. أما بقية المناطق، فتعيش حالة من التداخل والضبابية، حيث تتقاطع النفوذ وتُستنزف الموارد في صراعات لا نهاية لها.
وفي العاصمة المؤقتة عدن، التي يُفترض أن تكون نموذجًا للاستقرار وعودة الدولة، يزداد المشهد قتامة. فقد أصبحت حوادث القتل والاغتيالات تتكرر بشكل شبه أسبوعي، في ظل غياب واضح لدور الأجهزة الأمنية وضعف الردع. وكان من آخر هذه الحوادث المؤلمة مقتل الشهيد الدكتور عبدالرحمن الشاعر، وكذلك وسام قايد، في جرائم هزّت الشارع وأعادت طرح تساؤلات خطيرة حول واقع الأمن وقدرة الدولة على حماية مواطنيها. هذه الحوادث لم تعد مجرد أرقام تُضاف إلى سجل الفوضى، بل مؤشرات مقلقة على تآكل هيبة الدولة وغياب منظومة العدالة.
وسط هذا المشهد المعقد، يقف المواطن اليمني وحيدًا، يدفع الثمن الأكبر. تدهورت الخدمات، انهار الاقتصاد، وتلاشت أبسط مقومات الحياة الكريمة. لم يعد الحديث عن مشاريع سياسية يشغل الناس بقدر ما يشغلهم تأمين لقمة العيش، والحصول على ماء وكهرباء، والعيش في حدٍ أدنى من الأمان.
الأخطر من ذلك، أن هذا التمزق لم يعد سياسيًا أو عسكريًا فقط، بل امتد إلى النسيج الاجتماعي. تصاعدت النزعات المناطقية، وتعمقت فجوة الثقة بين أبناء الوطن الواحد، وغابت لغة الحوار لصالح خطاب متشنج يُغذّي الكراهية والانقسام. ومع كل يوم يمر، تبتعد فرص التلاقي، وتزداد كلفة العودة إلى المسار الوطني الجامع.
إن ما يحدث اليوم يجب أن يُدرك الجميع أنه طريق مسدود. فلا المليشيات قادرة على بناء دولة، ولا السلاح يمكن أن يصنع استقرارًا دائمًا. الدول تُبنى بالمؤسسات، وتُدار بالقانون، وتستقر حين يشعر كل مواطن أنه جزء من مشروع وطني لا يُقصيه ولا يُهمّشه.
اليمن اليوم أمام مفترق طرق حقيقي؛ إما الاستمرار في هذا المسار الذي يقود إلى مزيد من التمزق والانهيار، أو العودة إلى منطق الدولة، حيث يكون الاحتكام للدستور، والشراكة الوطنية، والحوار، لا فوهة البندقية.
لا يزال الأمل قائمًا، رغم كل شيء. فاليمن لم يفقد أبناءه الشرفاء، ولا عقولَه القادرة على إعادة البناء. لكن هذا الأمل يحتاج إلى إرادة صادقة، تُقدّم مصلحة الوطن على كل المصالح، وتؤمن أن اليمن أكبر من الجميع.
سيبقى اليمن وطنًا يستحق الحياة… لكن إنقاذه لن يكون إلا حين يتوقف أبناؤه عن تمزيقه، ويبدؤون في ترميمه.