بعد مضي أكثر من عقد لم يعد توصيف الحالة اليمنية محصورا في مفاهيم تقليدية مثل ضعف الدولة أو ازدواج السلطة نظرا لارهاصات أثرت عليه وتحولات قيدته حتى غدا أقرب وصفا إلى بنية مخدجة تتداخل فيها الشرعية الشكلية مع واقع ميداني أعاد تعريف السياسة خارج إطار الدولة.
ومغهوم الشرعية المعلقة هنا يعبر عن حالة بنيوية تفصل بين الاعتراف الخارجي والقدرة الداخلية بحيث تبقى السلطة قائمة في النصوص والقرارات لكنها غائبة في الفعل والتأثير.
ومنذ ثورة 2011 دخلت اليمن في مسار تفكك تدريجي غير أن هذا التفكك لم يؤد إلى فراغ مطلق وإنما إعادة توزيع للسلطة بين فاعلين متعددين.
و تقوم الدولة وفق التصور الكلاسيكي عند ماكس فيبر على احتكار العنف المشروع غير أن ما حدث هو انتقال هذا الاحتكار إلى أطراف متباينة لكل منها أدواتها ومرجعياتها مما أفضى إلى تآكل المركز دون أن يختفي تماما.
وفي هذه البيئة تبرز الفوضوية المغلقة كمرحلة متقدمة من الأزمة. وبذلك لم تعد الفوضى مفتوحة على احتمالات في إعادة التشكيل وإنما أصبحت محكومة بتوازنات ثابتة نسبيا إذ تستقر مراكز القوة داخل نطاقاتها الجغرافية والسياسية وتديرها بمنطق شبه دولة دون أن تسعى إلى بناء دولة جامعة.
هذا الاستقرار السلبي يمنع الحسم ويؤجل الانهيار الكامل في آن واحد وهذا التحد ينقل الأزمة إلى مرحلة الانهيار ثم التخلف وهو ما يجعل بناء الدولة من جديد وبناء الوعي المدني أكثر صعوبة .
وضمن هذا السياق تكتسب الحشود الشعبية التي ينظمها المجلس الانتقالي الجنوبي دلالة تتجاوز مجرد التعبئة السياسية لأنها تفسر الواقع بعيدا عن التهوين او التهويل وقد ساهم في إعادة تشكلها سياسة الشرعية اليمنية التي تعلق الأزمات دون أن تضع لها حلولا واقعية وتركز في الأساس على تقاسم النفوذ دون أن تقدم خدماتها للشعب الذي خرج في حشوده ليس على أساس تنظيمي وإنما بحثا عن حلول واقعية تعيد للشعب أمنه وكرامته وحقوقه.
إنها محاولة لخلق شرعية موازية تستند إلى الشارع في مقابل شرعية رسمية عاجزة عن الحضور. هذه الحشود لا تعمل فقط كأداة ضغط وإنما كآلية لإعادة تعريف من يمثل الإرادة العامة في ظل غياب دولة قادرة على احتواء التعدد.
غير أن هذه الظاهرة تحمل مفارقة عميقة فبينما تبدو الحشود تعبيرا عن حيوية سياسية فإنها في الوقت ذاته تسهم في ترسيخ الفوضوية المغلقة لأنها تعزز منطق التمثيل الجزئي لا الشامل.
وكل كتلة جماهيرية تتحول إلى سند لكيان محدد مما يعمق الانقسام ويجعل من الصعب إنتاج إطار وطني جامع يقوم على مفهوم العدالة والمواطنة.
وهنا يتحول الشارع من فضاء قابل للتوحيد بمقومات نظرية إلى ساحة لإعادة توزيع الانقسام بمصالح جهوية.
إن إسهامات تشارلز تيلي حول العلاقة بين الصراع وبناء الدولة تبدو معكوسة في هذه الحالة؛ فبدلا من أن تقود التعبئة والصراع إلى تركيز السلطة فإنها تؤدي إلى تثبيت التعدد وتكريسه.
و السبب لا يكمن فقط في تعدد الفاعلين وإنما في طبيعة التوازنات الإقليمية التي تمنع أي طرف من أن يحقق أي تفوق حاسم وهنا سيبقى الجميع داخل دائرة مغلقة من النفوذ المحدود.
إن المجتمع اليمني في ظل هذا الواقع يعيد تشكيل نفسه بعيدا عن فكرة الدولة المركزية من خلال شبكات تضامن محلية وأنماط اقتصاد غير رسمي وآليات حكم ذاتي محدودة لكنها جميعا تبقى عاجزة في التحول إلى مشروع وطني.
وهكذا تتعمق الفجوة بين الدولة كفكرة والسلطة كممارسة حيث تصبح الأولى رؤية نظرية غير واقعية بينما تتوزع الثانية بين قوى متنافسة.
إن الحشود الشعبية بما فيها تلك المرتبطة بالانتقالي الجنوبي تكشف أن الفراغ لا يبقى فارغا وإنما يملأ بأشكال بديلة من الشرعية.
غير أن هذه الأشكال رغم قدرتها على التعبئة لا تملك بالضرورة أدوات بناء الدولة و قد تجد مصلحتها في استمرار الوضع القائم الذي يمنحها موقعا داخل معادلة غير مكتملة.
وإذا نظرنا إلى تعبئة الانتقالي لهذه الحشود وتعبئة أنصار الله للحشود فيها بغض النظر عن الإكراه أو الترغيب أو الجهل فإن التعبئة بجد ذاتها مؤشرا واضحا على قدرة المكونات في أن تكون رقما صعبا ليس عسكريا فحسب وإنما شعبيا ؛ هذا الحاضنة التي كانت إلى جانب الشرعية واسقطتها بسياساتها المؤجلة وهجرتها الدائمة غير المحددة.
وهنا سنجد من الصعب أن تكون للشرعية القدرة في حشد جماهيرها في عدن تحديدا أو في صنعاء لأن للواقع أحكامه وظروفه.
إن الانتقال من الشرعية المعلقة إلى الفوضوية المغلقة يعد تحولا في طبيعة الأزمة اليمنية و لم يعد طرحنا كما كان قبل عشرة أعوام كيف تستعاد الدولة وإنما نزيح السؤال منهجيا إلى طرح آخر فرضته أخطاء الحكمة السياسية وهو كيف يمكن كسر هذا التوازن المغلق الذي يجعل من غيابها شرطا لاستمرار الفاعلين الحاليين.
وبين شرعية لا تحكم وحشود تعبئ على فلسفة الانقسام يبقى المجال الاجتماعي مفتوحا على إعادة إنتاج الأزمة أكثر من تجاوزه.
إن قراءة الحوار بين صنعاء والرياض لم نعد نراه مسارا تفاوضيا تقليديا لإنهاء الحرب وإنما هو محاولة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك السياسي في اليمن ضمن توازنات إقليمية جديدة.
فالحوار هنا لا يجري بين دولتين مكتملتي السيادة وإنما بين مركز إقليمي فاعل ممثلا بالمملكة وفاعل محلي يمتلك سيطرة ميدانية و ما يعكس طبيعة اللا دولة التي أصبحت تحكم المشهد اليمني.
ومن زاوية أولى فإن الحوار يعد مقاربة سعودية والتي انتقلت تدريجيا من استراتيجية الحسم العسكري إلى إدارة التهديد.
ولم يعد الهدف بالضرورة في إعادة إنتاج الشرعية كما كانت لا سيما إن مطامع الشرعية ومكوناتها حال دون الاتفاق على تأسيس دولة مدنية تحترم للإنسان وتحقق العدالة والمساواة والتنمية .
هنا بدأت فكرة احتواء المخاطر الأمنية خصوصا تلك المرتبطة بالحدود والطاقة والاستقرار الإقليمي لأن السعودية منذ نشأتها تعمل على تحسين ظروف مواطنيها ولديها رؤية 30 الطموح لأنها تدرك أن الاستقرار والأمن يبدأ بالتنمية.
هذا التحول يعكس إدراكا بأن الحرب الطويلة لم تؤسس لمركز سيادي موحد بقدر ما عمقت التعدد والانقسام والتنافس الإقليمي داخل اليمن .
ومن زاوية ثانية فإنه الحوار مع صنعاء ينطلق من فلسفة واقعية كسلطة أمر واقع وهو اعتراف ضمني يتجاوز الخطاب الرسمي. هذا الاعتراف ليس قانونيا بالضرورة ولكنه سياسي وعملي لأنه يقوم على التفاوض المباشر حول قضايا سيادية مقثل الأمن والاقتصاد والحدود.
وهنا تتجلى إحدى مفارقات الحالة اليمنية حيث تتقدم الفاعلية على الشرعية فيتحول من يملك السيطرة إلى طرف تفاوضي حتى بدون اعتراف كامل.
غير أن هذا المسار يطرح إشكالية عميقة تتعلق ببقية الفاعلين اليمنيين.
فالحوار الثنائي بطبيعته يميل إلى تبسيط المشهد بينما الواقع أكثر تعقيدا خصوصا مع وجود قوى مثل المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يمتلك قاعدة شعبية وحضورا ميدانيا.
و أي تسوية لا تأخذ هذه التعددية بعين الاعتبار قد تخلق تهدئة موضعية لكنها لن تؤسس لاستقرار شامل.
ويمكن فهم الحوار كجزء من انتقال أوسع من حرب مفتوحة إلى فوضوية مغلقة.
لكنه لن ينهي التعدد وإنما ينظمه ضمن تفاهمات جزئية تضمن لكل طرف حدا أدنى من المصالح دون أن تدمجهم في إطار دولة واحدة ليس لأنها لا تريد وإنما لأن التكلفة انتقلت من استراتيجية استعادة الدولة إلى استراتيجية التأسيس لها .
والتأسيس أصعب من الاستعادة بسبب تعدد مراكز النفوذ وتعدد أفراد الجيش الذي أصبح لكل مكون عددا يفوق ما تمتلكه الإمارات أو قطر كما أن تعدد مراكز النفوذ السياسي والصراع على السلطة يعد إشكالية أخرى لحيث أصبحت الرئاسة مطمح لقادة النفوذ وهو ما يمكن الإشارة اليه بتعدد أعضاء مجلس الرئاسة وحرصهم على حضور الفعاليات الدولية جميعا دون أن يتفقوا على ممثل للرئاسة بحيث يخفف من عبء الإنفاق من جهة ويوحد الخطاب من جهة أخرى .
وهنا نجد أن حجم مجلس الرئاسة الذي بالأساس يجب أن يثري النقاش دوليا إلا أنه يعد إعاقة بحد ذاته للتواصل الدبلوماسي وعدم وجود فاعلية ذات أثر في لقاءاته الدولية .
بمعنى آخر قد ينجح الحوار في خفض التصعيد لكنه لا يعالج جذور غياب الدولة وإنما يتعايش معها.
كما يفتح الحوار الباب أمام ترتيبات حساسة تتعلق بالموارد خصوصا الرواتب والموانئ والطاقة.
هذه الملفات سيادية بامتياز لأنها تحدد من يملك القدرة على إدارة الاقتصاد.
وإذا لم تحل ضمن إطار وطني جامع فقد تتحول إلى أدوات لتعميق الانقسام بدلا من تجاوزه.
ويعكيسالحوار د د تداخلا مع مسارات أوسع حيث تسعى القوى الكبرى في المنطقة إلى خفض التوترات وإعادة ترتيب أولوياتها.
واليمن جزء من شبكة التوازنات وهو ما يجعل أي اتفاق هشا ما لم يكن منسجما مع هذه البيئة.
أن حوار صنعاء مع الرياض هو خطوة مهمة لكنه ليس حلا نهائيا هو أقرب إلى مغهوم إدارة الأزمة أكثر منه إنهاء لها.
وقد يخفف من حدة الصراع ويفتح نوافذ اقتصادية وإنسانية لكنه في الوقت ذاته يرسخ منطق التفاوض مع مراكز القوة القائمة وليس على منطق بناء الدولة. وبين هذين المسارين يبقى مستقبل اليمن معلقا فهل يتحول الحوار إلى مدخل لتسوية شاملة أم يظل إطارا لتثبيت توازنات مؤقتة داخل “اللا دولة”.
إما مصير الشرعية في الحالة اليمنية فإنه يمكن قراءته كمسار خطي ينتهي إما بالانتصار أو السقوط وإنما كتحول تدريجي في معناها ووظيفتها داخل واقع يتسم بتعدد مراكز القوة وتآكل احتكار الدولة.
فالشرعية التي بدأت في صنعاء ورعتها الرياض نشأت في الأصل كشرعية معترف بها دوليا و تمثل الدولة اليمنية في الخارج لكنها واجهت إشكالا بنيويا؛ فالاعتراف لم يتحول إلى سيطرة فعلية داخل المجال الجغرافي والسياسي.
و هنا يظهر الفرق بين الشرعية كصفة قانونية والشرعية كقدرة على الحكم.
ومع طول أمد الصراع منذ ثورة 2011 في اليمن وما تلاها من انهيار تدريجي لمؤسسات الدولة بدأت الشرعية تفقد مركزيتها بوصفها الفاعل الوحيد لتتحول إلى أحد أطراف معادلة متعددة:
- قوى أمر واقع
- سلطات محلية
- تشكيلات سياسية وعسكرية متباينة.
ويمكن القول إن مصير هذه الشرعية يسير في ثلاث اتجاهات محتملة ليست متعارضة تماما بقدر ما هي متداخلة:
أولا: التحول إلى شرعية تفاوضية محدودة: وفي هذا المسار لم تعد الشرعية قادرة على فرض سيطرة شاملة لكنها تبقى جزءا من أي تسوية سياسية قادمة.
و يصبح وظيفتها الأساسية إدارة التمثيل الخارجي والتفاوض باسم الدولة بينما تتقاسم الداخل مع سلطات أخرى.
و هذا ما يمكن وصفه بشرعية ناقصة السيادة.
ثانيا: التآكل التدريجي لصالح مراكز الأمر الواقع: وفي هذا السيناريو تستمر الشرعية في فقدان أدواتها الفعلية لصالح قوى محلية مثل المجلس الانتقالي الجنوبي والساحل ومأرب وصنعاء وغيرها من الفاعلين و هنا تتحول الشرعية إلى إطار رمزي موجود في الخطاب الدولي أكثر منه في الواقع الداخلي بينما تتوزع السلطة فعليا على الأرض.
ثالثا: إعادة التأسيس عبر تسوية شاملة: وهو المسار الأقل احتمالا دون تحولات كبرى ويتطلب اتفاقا إقليميا ودوليا يدمج الفاعلين الرئيسيين في إطار دولة جديدة أو معاد تشكيلها.
و في هذا السيناريو لا تختفي الشرعية بل يعاد تعريفها ضمن عقد سياسي جديد ونظام جديد يفرضه السعب من الداخل ومن ثم لن يكون امتدادا للوضع السابق.
وفي كل الحالات ما يميز مصير الشرعية اليمنية اليوم هو أنها لم تعد تمثل مركز الدولة وإنما أصبحت جزءا من أزمة الدولة نفسها.
فهي تتحرك داخل بيئة يمكن وصفها بأنها فوضوية مغلقة حيث لا يوجد انهيار كامل يسمح ببداية جديدة ولا استقرار كاف يسمح بإعادة بناء سلسة للدولة بمعنى آخر فإن الشرعية لم تسقط لكنها لم تعد كافية.
وقد استمرت بفضل المبادرة الخليجية كإطار معترف به ومنحتها فرص عديدة في كل فرصة تفشل بها مما جعلها شرعية بدون أدوات حاسمة بدليل أنه لا يوجد لها أي أثر أو وجود في الواقع أو الإعلام الدولي وحتى العربي إلا على هامش الأخبار .
وهذا الوضع يجعل مستقبلها مرتبطا ليس فقط بقراراتها، وإنما أيضا بتوازنات إقليمية معقدة فشلت في توازنها ، وبقدرة الفاعلين المحليين على الانتقال من منطق السيطرة الجزئية إلى منطق الدولة والتي فشلت من جمعها زهاء عقد أو يزيد قليلا .
وبين الاعتراف الدولي والواقع الميداني المتشظي سيبقى مصير الشرعية معلقا؛ إما أن تتحول إلى جزء من تسوية سياسية جديدة تعيد تعريف الدولة أو تستمر كعنوان قانوني فوق أرض تتوزعها سلطات متعددة لا تخضع لمركز واحد حتى تنتقل إلى انهيار فعلي للمجتمعات ومن ثم تولد قوى جديدة تعيد ترتيب الواقع بالعنف حتى يتحقق السلام .
بناء على ما سبق لا يمكن التعامل مع ازمة اليمن كونها صراع بين شرعية واحدة ومكونات منفصلة عنها وإنما كحالة تشظي سلطوي مركب تتوزع السلطة بين قوى متعددة وتغيب الدولة المركزية الجامعة.
لذلك فإن سؤال ما يجب على الاحزاب والحوثي والانتقالي والمكونات لا يطرح كوعظ سياسي وإنما كحد ادنى تفرضه الضرورة للخروج من حالة الانسداد التي يمكن وصفها بانتقال من الشرعية المعلقة الى الفوضوية المغلقة ولن يكون إلا من خلال مؤتمر وطني شامل وصادق ترعاه السعودية وتتعامل مع الأطراف من منطلق حضاري أمني واقتصادي لشعوب الجزيرة العربية.
وهذا يكون من خلال:
اولا: كسر منطق الالغاء المتبادل وهو مطالبة الاحزاب السياسية بما فيها التكتلات التقليدية على ترك فكرة استعادة الدولة كما كانت قبل الحرب والانتقال الى فكرة الدولة الممكنة التي تستوعب التعدد القائم.
وفي المقابل على جماعة أنصار الله (الحوثيون) ان تدرك ان منطق السيطرة الاحادية لا ينتج دولة مستقرة وإنما يعمق الانقسام ويثبت الفوضى.
كما ان المجلس الانتقالي الجنوبي امام معادلة مشابهة اذ عليه الاختيار بين البقاء كقوة امر واقع تدير جغرافيا محدودة او الانخراط في تسوية سياسية اشمل تعيد تعريف الدولة ككل.
وبدون هذا التحول سيبقى الجميع داخل دائرة تعطيل متبادل يعيد انتاج الازمة.
ثانيا: الانتقال من شرعية الخطاب الى شرعية الأداء.
إن الشرعيات القائمة سواء كانت دولية او ثورية أو محلية فقدت جزءا كبيرا من قدرتها على الإقناع لأن المجتمع بات يقيس السلطة بقدرتها على توفير الخدمات والأمن والرواتب.
بمعنى اخر فإن الشرعية اليوم لم تعد تقوم على الاعتراف فقط وإنما على الفعل اليومي.
واي طرف لا يستطيع ادارة حياة الناس بشكل ملموس سيفقد تدريجيا شرعيته حتى لو بقي معترفا به خارجيا.
ثالثا: بناء دولة حد ادنى لا دولة الغلبة:
إن استعادة الدولة كما كانت قبل 2011 لم تعد خيارا واقعيا والمطلوب هو صيغة دولة حد ادنى تقوم على تقاسم وظيفي للسلطة على سبيل المثال:
تنسيق سياسي بدلا من احتكار كامل وادارة مشتركة للموارد السيادية وتفاهمات أمنية تمنع الانفجار دون فرض سيطرة مطلقة.
وهذا يعني القبول بالواقع و أن الحكم لن يكون لطرف واحد في المدى القريب وإنما عبر صيغة شراكة مضبوطة.
رابعا: تقليص دور القوة كاداة سياسية:
إن استمرار استخدام السلاح كوسيلة لتثبيت المكاسب السياسية يجعل اي تسوية مستحيلة والمطلوب ليس انهاء الصراع دفعة واحدة وإنما تقليص دوره تدريجيا لصالح التفاوض.
إن كل مكسب عسكري غير مضبوط سيقابله انهيار اضافي في بنية الدولة.
خامسا: ضبط التدخلات الاقليمية ضمن منطق الاستقرار وخصوصا بالاعتماد على الدور الاقليمي من قبل المملكة العربية السعودية بحيث يبقى مؤثرا بشكل مباشر في مسار الازمة.
لكن التحول المطلوب هو الانتقال من دعم اطراف متقابلة الى دعم صيغة استقرار شامل بحيث لا يتحول الخارج الى معزز للانقسام بل الى عامل ضبط له.
وفي النهاية إن ازمة اليمن ليست فقط ازمة حكم وإنما هي أزمة في تصور الدولة.
فاما استمرار منطق الغلبة والتفكك ومزيدا من الصراع او الانتقال التدريجي نحو صيغة ادارة مشتركة تقلل الخسائر وتفتح بابا محدودا لإعادة بناء الدولة من خلال إدارة الانقسام لا تثبيته.