أخيراً ، تنفسّت رئة الملاعب اليمنية الصعداء ، وعادت الروح لتسكن الجسد الكروي المنهك ، وكم هو باذخٌ وجميلٌ هذا المشهد الذي أعاد رسم الابتسامة على وجوهٍ أتعبتها تفاصيل «النكد» اليومي .
بعيداً عن « فلسفة » الكيفية ، وبمعزلٍ عن الغوص في بحر السلبيات أو تفتيش جيوب القصور ، يظلُّ الحدث الأهم والأبقى هو أن الكرة عادت للدوران ، وأن النشاط استعاد نبضه ، ليجد نجوم البلاد ومواهبها قاطبة الملاذ الآمن لتفريغ طاقاتهم المكبوتة ، في سياق منافسات رسمية تعيد للكرة هيبتها ، سواءً في « كأس الرئيس » أو في أروقة «الدوري الممتاز» .
لا نحتاج لعدسات مكبرة لنرى أن هناك فجواتٍ في الجدار ، وملفاتٍ شائكة كان من الحريّ حسمها قبل صافرة البداية ، ولعلّ غصة « التهبيط » التي طالت أنديةً عريقة تضرب جذورها في أعماق التاريخ ، كأندية عدن والصقر وغيرها ، تظلُّ جرحاً يحتاج لضماد الحكمة لتعود للمنافسة ضمن كبار البلاد حيث يليق بها المقام .
لكننا اليوم أمام خيار « العبور » للضفة الأخرى ، وتجاوز العوائق مؤقتاً ، بانتظار حلولٍ مستقبلية منصفة ، فالمصلحة العامة تقتضي من الجميع — اتحاد وأندية — أن يترجلوا عن خيول العناد ، ويقدموا التنازلات المتبادلة كقربان لعودة الحياة الطبيعية إلى « معشوقة الجماهير » .
ندرك تماماً أن الملاعب تشكو « العقم » في التجهيزات ، وأن البنية التحتية ليست في أفضل حالاتها ، لكننا نراهن على الإيجابيات للبناء عليها في قادم الأيام .
فرغم الظروف القاسية التي تعصر الأندية ، وضنك العيش الذي يطوق منتسبيها ، إلا أن ذلك الشغف الجماهيري الطاغي ، والتفاعل الذي يملأ المدرجات التي بعضها « متهالك » ، يعكس حالة « العطش » المزمن في الشارع الرياضي اليمني لمثل هذه المنافسات الرسمية التي تنسيهم مرارة الواقع .
إن حال اليمن — للأسف — لا يسرُّ صديقاً ولا يغيظ عدواً ، والدروب تبدو موحشة ، لكن عودة منافسات وبطولات كرة القدم الرسمية ، تظلُّ « نقطة ضوء » وسط عتمة هذا الواقع المرير ، ومؤشراً على أن هذا الشعب يملك من الإرادة ما يكفي لصناعة الفرح من قلب الركام .