لم يكد تراب القبر يجف فوق جثمان الدكتور عبد الرحمن الشاعر، الذي اغتيل في وضح النهار بمدينة عدن، حتى فُجعت المدينة بجريمة غدر أخرى هزت الأوساط المحلية والدولية.
هذه المرة، كان الهدف هو "وسام قائد"، القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، في مؤشر وصفه مراقبون بأنه "تصعيد نوعي" يهدف إلى ضرب الكوادر التكنوقراطية والخدمية في المدينة.
في ظهيرة يوم الأحد الفائت، وتحديداً عند الساعة الثانية والنصف، أقدم مسلحون مجهولون يستقلون سيارة من نوع "أكسنت" زرقاء اللون على اختطاف وسام قائد من أمام منزله في منطقة "إنماء".
لم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى عُثر على جثته هامدة، لتعلن فصلاً جديداً من فصول الانفلات الأمني الذي بات يؤرق مضاجع سكان العاصمة المؤقتة.
يرى *مراقبون* أن هذه العمليات لا تبدو عشوائية، بل تشير إلى توجه ممنهج لاستهداف شخصيات نوعية لا تنتمي بالضرورة لتيارات سياسية صدامية، بل هي ركائز المجتمع:
*أساتذة الجامعات وأئمة المساجد.**
*مدراء المدارس والجامعات الأهلية.*
*مسؤولو العمل الإنساني والمنظمات الدولية.*
*الإعلاميون المتميزون.*
هذا التنوع في بنك الأهداف يوحي بمخطط لـ*"خلط الأوراق"* وإشاعة حالة من الرعب العام، واستهداف الكفاءات التي تعمل على إبقاء مؤسسات الدولة والعمل الإغاثي قيد الحياة.
*غضب دولي.. وصدمة دبلوماسية*
الجريمة لم تمر دون صدى دولي واسع؛ فقد أعربت سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن عن "غضبها وصدمتها" الشديدين. وفي تدوينة حازمة عبر منصة (إكس)، شددت السفيرة على ضرورة التحرك السريع لتقديم الجناة للعدالة، مشيدةً بالدور الإنساني الكبير الذي كان يؤديه الفقيد لضمان وصول المساعدات لملايين اليمنيين.
هذا الموقف الدولي يعكس حجم الخسارة، حيث لم يعد الاستهداف يطال السياسيين فحسب، بل طال "شريان الحياة" الإغاثي في البلاد.
السؤال الذي يطرحه الشارع العدني اليوم: *لماذا ازدادت جرأة الخلايا الإجرامية رغم الضجيج الإعلامي والاستنفار الأمني الذي أعقب قضية الدكتور الشاعر؟*
الإجابة، كما يحللها مراقبون، تكمن في بنية المنظومة الأمنية ذاتها.
فمن غير المنطقي الاستمرار باستخدام "ذات الأدوات" الأمنية القديمة وتوقع نتائج مختلفة.
الجرأة التي يبديها القتلة في تنفيذ عملياتهم في وضح النهار وفي مناطق مأهولة مثل "إنماء" تشير إلى أن تلك الخلايا لم ترتعب من الإجراءات الحالية، بل ربما وجدت فيها ثغرات كافية لمواصلة العبث.
في ظل هذا المشهد القاتم، تتصاعد الدعوات للكوادر الأكاديمية والمسؤولين والناشطين بضرورة أخذ أقصى درجات الحيطة والحذر. فالمرحلة الحالية، بحسب المؤشرات، هي مرحلة "تصفية النوع"، وهو ما يستدعي مراجعة شاملة للملف الأمني في عدن قبل أن تبتلع موجة الاغتيالات ما تبقى من عقول وكفاءات هذه المدينة المنكوبة.
*"بقاء الأدوات الأمنية السابقة كما هي.. يعني بقاء الوضع كما هو عليه."*