آخر تحديث :الثلاثاء-05 مايو 2026-02:00م

عندما يكون الأمن نتيجةً لا قرارًا

الثلاثاء - 05 مايو 2026 - الساعة 09:47 ص
عبدالناصر صالح ثابت

بقلم: عبدالناصر صالح ثابت
- ارشيف الكاتب


م.عبدالناصر صالح ثابت

في زيارتي الأخيرة لعدن في ديسمبر 2025، بدا وكأن المدينة قد نجحت—ولو مؤقتًا—في فرض معادلة معاكسة لكل أزماتها. لم يكن ما لفت الانتباه مجرد انتشار النقاط الأمنية أو صرامة الإجراءات، بل ذلك الإحساس العميق بالطمأنينة الذي انعكس بوضوح على سلوك الناس. ورغم غياب الخدمات، وانقطاع الرواتب، وقسوة الكهرباء، كانت الحياة تسير بإيقاع طبيعي؛ الشوارع، في ليلها الخافت، تعج بالمارة، والمقاهي مكتظة، وأصوات البحر تمتزج بضحكات العابرين.

في تلك اللحظة، لم يكن الأمن قرارًا معلنًا بقدر ما كان نتيجة طبيعية لحالة من الانضباط العام. شعرت بذلك أكثر عندما تجولت في شوارع الشيخ عثمان، حيث مُنع الوقوف العشوائي للسيارات، فانكشفت المساحات، واتسعت الطرق، وبدت المدينة أكثر ترتيبًا وانسيابية مما اعتدنا. حتى أصوات مكبرات الشرطة، وهي تنادي على المخالفين، لم تكن مزعجة، بل كانت تعكس حضورًا فعليًا لمنظومة تسعى لفرض النظام في أدق تفاصيل الحياة اليومية.

غير أن هذا التماسك لم يكن عميق الجذور. فمنذ بداية العام الجاري، أخذ المشهد يتبدل تدريجيًا، وكأن ذلك الاستقرار لم يكن سوى هدنة قصيرة أمام تحديات كامنة. عادت الاغتيالات، وتصاعدت أعمال العنف، وعاد القلق ليحتل المساحات الآمنة التي كانت، حتى وقت قريب، تنبض بالحياة. عادت العشوائية، وانتشرت الدراجات النارية، وتكررت جرائم القتل ومحاولاتها، في مشهد يعكس تراجعًا واضحًا في قدرة المنظومة على ضبط الإيقاع.

ما جرى في عدن يؤكد حقيقة أعمق من التفاصيل اليومية: الأمن ليس كيانًا مستقلًا يمكن عزله عن سياقه، بل هو نتيجة مباشرة لتوازنات السياسة، واستقرار الاقتصاد، وانسجام القرار العسكري والأمني. وعندما تختل هذه المعادلة، لا يعود ممكنًا حماية الأمن بالإجراءات وحدها، لأن جذوره تكون قد بدأت بالفعل في التآكل.

في مثل هذه البيئات الهشة، لا تحتاج الفوضى إلى جهد كبير كي تعود؛ يكفي غياب الاتساق في القرار، أو تراجع الثقة بالمؤسسات، لتجد الاغتيالات طريقها مجددًا، ولتنشط قوى العنف التي تتغذى على الفراغ. وهنا، لا يكون الأمن ضحية مباشرة فحسب، بل يصبح انعكاسًا واضحًا لحالة الاختلال العام.

الأمن والأمان ليسا إجراءات تُفرض، بل نتيجة طبيعية لجهود متراكمة، وظروف صعبة تم تجاوزها، وخبرات تُبنى بمرور الوقت. كما أن التوازن بين الوحدات الأمنية، والتنسيق الفعّال فيما بينها، يمثل حجر الأساس لأي استقرار حقيقي. فالكلام عن الأمن سهل، لكن تحويله إلى واقع مستدام هو التحدي الأكبر.

وبين مشهد ديسمبر العام المنصرم، الذي أوحى بأن عدن استعادت توازنها، وواقع اليوم الذي يكشف هشاشة ذلك التوازن، تتجسد الحقيقة الأهم: الأمن لا يُصنع بالقرارات وحدها، بل يُولد من بيئة متكاملة… وإذا اختلت هذه البيئة، فلن يبقى الأمن سوى ذكرى مؤقتة.