ليست أزمات الجنوب اليمني وليدة لحظتها، ولا يمكن فهم مسارها بمعزل عن البنى الصلبة التي حكمت المشهد السياسي منذ ما بعد الاستقلال. ومن بين أكثر هذه البنى تأثيراً واستمرارية ما يمكن تسميته بـ«المثلث المُعطِّل»، والمقصود به جغرافياً: الضالع، ردفان، يافع. هذا المثلث لم يكن مجرد توصيف مكاني، بل تحوّل مع الزمن إلى حالة تحالف سياسي – عسكري مغلق، أعاد إنتاج نفسه في كل المراحل، وكان حاضراً بفاعلية في معظم دورات العنف والانقسام التي شهدها الجنوب واليمن عموماً.
منذ ما بعد استقلال 1967، بدأ هذا المثلث في التشكّل كقوة داخل بنية الدولة الوليدة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. ومع أول اختبار سياسي كبير عام 1969، ثم في 1978، وصولاً إلى أحداث 1986 الدامية، نجد أن هذا التحالف الجغرافي – السياسي كان طرفاً أساسياً في إدارة الصراع أو في تأجيجه، حيث جرى تكريس منطق القوة على حساب منطق الدولة، ومنطق الغلبة على حساب التعدد والشراكة. وهكذا تحولت الدولة من إطار جامع إلى ساحة تصفية حسابات داخلية.
الأخطر أن أحداث 1986 لم تكن نهاية دورة العنف، بل كانت بداية مرحلة أكثر تعقيداً. فالقوى التي خرجت منتصرة أعادت تشكيل السلطة، لكنها حملت معها نفس العقلية الإقصائية ونفس المنطق المغلق. وداخل هذه البيئة المشوهة، وجد علي سالم البيض نفسه أمام واقع سياسي مأزوم، دفعه في النهاية إلى الذهاب نحو خيار الوحدة الاندماجية المتسرعة، لا بوصفها مشروعاً وطنياً مدروساً، بل كمخرج اضطراري من أزمة داخلية مستعصية.
جاءت أزمة 1993 لتكشف هشاشة هذا الخيار، ثم لعب المثلث مرة أخرى دوراً تحريضياً باتجاه المواجهة العسكرية، لتقع حرب 1994، تلك الحرب التي كان يمكن تجنبها لو جرى التعامل بجدية مع وثيقة العهد والاتفاق، التي مثلت حينها فرصة تاريخية لتصحيح مسار العملية السياسية في اليمن. لكن منطق التعطيل انتصر مجدداً، وجرى الدفع بالبلاد نحو دورة عنف جديدة كانت نتائجها كارثية على الجنوب واليمن معاً.
ولم يتوقف دور المثلث عند هذا الحد، بل أعاد ترتيب أوراقه بعد الحرب، داخلياً وخارجياً، وبدأ بتشكيل كيانات وخلايا سياسية وأمنية تتبنى العنف، مستخدماً شعار «استعادة الدولة» كغطاء سياسي وأخلاقي لممارسات عمّقت الانقسام وأبقت جنوب وشرق اليمن في حالة غليان دائم. وهكذا تحولت القضية الجنوبية من قضية حقوق وعدالة سياسية إلى أداة صراع وسلطة ونفوذ.
وبرغم ذلك، جاءت ثورة 2011 لتفتح نافذة أمل جديدة. سقط نظام علي عبدالله صالح، وانطلق مؤتمر الحوار الوطني الشامل بوصفه أكبر محاولة في تاريخ اليمن الحديث لتفكيك الأزمات المتراكمة، وفي مقدمتها القضية الجنوبية، التي حضرت فيه بقوة ووضوح. كان يمكن للحوار أن يكون لحظة مراجعة شجاعة، وانتقالاً من الشعارات إلى الممارسة السياسية العقلانية.
لكن المثلث، مرة أخرى، اختار الاصطفاف خلف أقصى الشعارات، وتعامل مع الحوار لا كفرصة تاريخية، بل كساحة مواجهة جديدة. وبدلاً من الاستثمار في السياسة، اندفع نحو تحالف ثلاثي مع الحركة الحوثية، وعلي عبدالله صالح وفريقه في المؤتمر الشعبي العام، لإفشال مخرجات الحوار وتقويض العملية الانتقالية. تحالف متناقض في طبيعته، لكنه متجانس في هدفه: تعطيل قيام الدولة.
وبهذا التحالف الانتحاري، عاد اليمن إلى مربع العنف، وكانت حرب 2015 أحد أبرز تجلياته. لم تكن الحرب انفجاراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من تدمير السياسة لصالح منطق السلاح.
ومع ذلك، لم تكن 2015 مجرد عام للكارثة، بل عام لفرصة أخرى أيضاً. فقد تحقق انتصار عسكري مهم في الجنوب، قادته قيادات عسكرية جنوبية وطنية، وبمشاركة بطولية من أبناء عدن بكل أطيافهم السياسية والاجتماعية، وبدعم ومساندة تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية الشقيقة. كان تحرير المحافظات الجنوبية والشرقية من مليشيات الحوثي وقوات صالح لحظة تاريخية نادرة.
كان الأمل أن تتحول عدن وبقية المناطق المحررة إلى نموذج لمشروع وطني جامع، إلى مساحة تؤسس للدولة، وتعيد الاعتبار للقضية الجنوبية كقضية جامعة لكل أبنائها، لا كملف محتكر من فئة أو منطقة أو تحالف بعينه. كان يمكن لتلك المناطق أن تكون مختبراً عملياً لليمن الجديد.
لكن للأسف، سرعان ما أُجهضت هذه الفرصة أيضاً. ففي عدن تشكّل تحالف جديد بين المثلث المُعطِّل ودولة الإمارات العربية المتحدة، تحالف كانت له آثار كارثية على المناطق المحررة. فبدلاً من بناء نموذج الشراكة، جرى تكريس منطق الوصاية، وتعزيز الانقسامات الجنوبية – الجنوبية، وتمكين قوى المثلث من احتكار تمثيل القضية الجنوبية، وتهميش بقية الفاعلين السياسيين.
لم يقتصر الأمر على الإقصاء السياسي والإعلامي، بل تطور إلى العنف المباشر: حروب داخلية كما حدث في 2019، وتصفيات جسدية، وملاحقات دفعت كثيراً من النخب والكفاءات الجنوبية إلى الهجرة خارج البلاد. وهكذا بدأ الجنوب يُفرغ من طاقاته وعقوله، في واحدة من أخطر الجرائم السياسية التي يمكن أن تُرتكب بحق أي مجتمع.
هذا السلوك لم يكن مجرد أخطاء سياسية، بل تعبيراً عن غياب كامل لمعنى المسؤولية الوطنية، وغياب تام لفكرة الشراكة حتى مع الجنوبي المختلف. ومع تراكم القوة والنفوذ، تولدت لدى قادة المثلث مشاعر غرور سياسي مفرط، قادتهم في النهاية إلى ما يمكن تسميته بـ«الانتحار السياسي».
تجلى ذلك بوضوح حين اتجهوا شرقاً نحو حضرموت والمهرة، متجاهلين الطبيعة الخاصة لتلك المناطق، وحساسياتها الاجتماعية والسياسية، ومتغافلين عن تعقيدات الوضع الجيوسياسي وتوازنات المصالح الإقليمية والدولية. كانت تلك الخطوة تعبيراً عن وهم القوة، وعن قراءة قاصرة للتاريخ والجغرافيا، وعن تكرار أعمى لمسار قديم أثبت فشله مراراً.
في جوهره، «المثلث المُعطِّل» ليس مشكلة جغرافيا ولا مشكلة مجتمع، بل مشكلة مشروع سياسي مغلق، يرى في الدولة تهديداً، وفي التعدد خطراً، وفي الشراكة ضعفاً. مشروع لا يعيش إلا في بيئة الصراع، ولا يزدهر إلا على أنقاض الاستقرار، ولا يتغذى إلا من تعطيل كل فرصة وطنية ممكنة.
وهنا تكمن خطورته الحقيقية: أنه لا يعطل فقط مسار الجنوب، بل يعطل إمكانية قيام اليمن كدولة حديثة. فهو، في كل مرة تلوح فيها فرصة تاريخية، يقف في الجهة المقابلة، ويدفع البلاد إلى الخلف، ثم يطالب الناس بدفع ثمن الانهيار باسم القضية، وباسم الوطن، وباسم التاريخ.
إن قراءة تاريخ الجنوب واليمن من زاوية هذا «المثلث المُعطِّل» لا تهدف إلى الإدانة بقدر ما تهدف إلى الفهم. فالتاريخ لا يرحم من يبحث عن حلول سهلة خاطئة، على حساب حلول صعبة صحيحة. والدولة لا تُبنى بالشعارات، بل بالممارسة السياسية العاقلة، وبالشراكة، وبالقدرة على تحويل الجغرافيا من عبء صراعي إلى تنوع ثري، لا إلى قدر دموي يتكرر بلا نهاية.