آخر تحديث :الإثنين-04 مايو 2026-08:34م

اغتيال وسام قائد.. عدن بين نزيف الفقد وانكسار الأمل ،،

الإثنين - 04 مايو 2026 - الساعة 05:57 م
د. سعيد سالم الحرباجي

بقلم: د. سعيد سالم الحرباجي
- ارشيف الكاتب


​ما إن يوشك جرحٌ على الالتئام حتى ينفتح جرحٌ آخر، ولا تكاد الدموع تجفّ حتى تعود المآقي مثقلةً بانهمارها؛ وكأن الحزن صار قدرًا مقيماً لا يغادر الوجوه ولا القلوب.

​في هذا المناخ المثقل بالفواجع، استفاقت مدينة عدن على صدمةٍ جديدة، ليست كسابقاتها من الأحزان العابرة، بل فاجعة تُضاف إلى سجلّ النزيف المفتوح، وتُعمّق شعورًا عامًا بأن هذه المدينة تُدفع دفعًا نحو فقدان أجمل ما فيها: (أبناؤها الصادقون).

​برحيل وسام قائد مدير الصندوق الاجتماعي للتنمية، لم تفقد عدن مسؤولًا إداريًا فحسب، بل خسرت نموذجًا نادرًا لرجلٍ جمع بين النزاهة والكفاءة، وبين الحضور الهادئ والعمل العميق؛ كان من أولئك الذين لا يرفعون أصواتهم، لكنهم يتركون أثرًا واضحًا في حياة الناس.

​كان يعمل بصمت، ويؤمن أن التنمية ليست مشاريع تُعلن، بل أثرٌ يُبنى في حياة البشر. غير أن يد الغدر لم تمهله، فامتدت إليه لتغتاله بلا مبرر، ولا ذنب، ولا جرم، ولا إثم؛ لتطفئ حياة رجلٍ كان يحمل مشروع أمل، وتبعث في المقابل رسالة قاتمة مفادها أن الكفاءة في هذا الوطن قد تكون تهمة، وأن الإخلاص قد يتحول إلى خطرٍ على صاحبه.

​إن خطورة هذه الجريمة لا تكمن في بشاعتها فحسب، بل فيما تخلّفه من أثرٍ عميق على واقعٍ هشّ أصلًا؛ فعندما يُستهدف رجال التنمية، لا يُقتل أشخاصهم فقط، بل تُغتال معهم فرصٌ كان يمكن أن تغيّر واقع الناس، وتُطفأ مشاريع كان يمكن أن تُنقذ أسرًا من الفقر، وتُكسر الثقة في إمكانية البناء وسط هذا الركام الثقيل.

​مدينة عدن التي لطالما وُصفت بـ "عروس البحر"، لم تعد تبكي أبناءها بصمت، بل تصرخ بأسئلةٍ موجعة: إلى متى سيظلّ النبلُ ثمنًا يُدفع من دم أصحابه؟ وإلى متى ستبقى المدينة ساحةً مفتوحةً لاستهداف خيرة رجالها؟

​إن استمرار هذا المسار لا يعني سوى شيءٍ واحد: إفراغ الوطن من كفاءاته، ودفع ما تبقّى من رجاله الصادقين إلى الانكفاء أو الرحيل، وهو ما يهدد أي أفقٍ حقيقي للتنمية أو الاستقرار.

​رحيل وسام قائد ليس حادثةً عابرة في سجل الأخبار، بل جرس إنذارٍ صارخ يقول بلسان الحال: إن المدن لا تموت فقط بالحروب، بل تموت حين يُترك بنّاؤوها عرضةً للاغتيال، وحين يصبح الأمان حلمًا بعيد المنال.

​رحمه الله.. وإن كان الغياب فاجعة، فإن الأشد فداحة أن يتحول هذا الرحيل إلى مجرد رقمٍ آخر في قائمة النسيان.