حسين علي باهميل
لم يعد الطريق إلى السلطة في كثير من مناطق العالم يمر عبر صناديق الاقتراع أو عبر التوافق الوطني، بل أصبح مختصراً ومفروشاً بالخوف والدم. الإرهاب، بكل أشكاله، تحوّل من أداة تخريب إلى وسيلة صعود سياسي، تُستثمر بوعي أو بجهل، وتُدار أحياناً كجزء من لعبة أكبر من مجرد جماعات متطرفة.
في الجنوب، هذه الحقيقة ليست بعيدة ولا نظرية. لقد عاش الجنوب، ولا يزال، في ظل معادلة خطيرة: كلما ضعفت الدولة، تمدد الإرهاب، وكلما تمدد الإرهاب، برزت قوى جديدة تقدم نفسها كـ”المنقذ”، لتجد طريقها إلى السلطة أو النفوذ.
الإرهاب هنا لا يُفهم فقط كتنظيمات تحمل السلاح وتنفذ العمليات، بل كحالة فوضى منظمة تُستخدم لإعادة تشكيل المشهد. حين تُفجر الأوضاع الأمنية، وتُضرب المؤسسات، ويُدفع المجتمع إلى حافة الخوف، يصبح الناس مستعدين لقبول أي قوة تَعِد بالأمان، حتى لو جاءت على حساب القانون أو الدولة أو حتى كرامتهم.
المشكلة أن هذه الدورة تتكرر:
فوضى → إرهاب → خوف → صعود قوة جديدة → احتكار → فشل → فوضى من جديد.
وفي كل مرة، يدفع الجنوب الثمن من دمائه واستقراره ومستقبله.
لقد رأينا كيف تم توظيف “مكافحة الإرهاب” كشعار، لكنه في بعض الأحيان تحول إلى غطاء لإعادة توزيع النفوذ، لا لبناء دولة حقيقية. ورأينا كيف تُفتح مساحات للإرهاب حيناً، ثم تُغلق حيناً آخر، وفقاً لحسابات سياسية لا علاقة لها بمصلحة الناس.
وهنا تكمن الخطورة:
حين يصبح الإرهاب أداة سياسية، لا يعود الهدف القضاء عليه، بل إدارته.
الجنوب اليوم أمام مفترق طرق. إما أن يخرج من هذه الدائرة المفرغة، ويبني مشروع دولة حقيقية قائمة على المؤسسات والقانون، أو يظل رهينة لهذه اللعبة القذرة، حيث يُصنع الخوف ليُصنع الحاكم.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:
لا يمكن أن يُبنى وطن على فوهة بندقية، ولا يمكن أن يأتي الاستقرار من رحم الفوضى المصنوعة.
وإن لم يدرك الجنوبيون هذه المعادلة، فسيظلون وقوداً لصراعات تُدار باسمهم، لا من أجلهم.
الإرهاب قد يكون أسرع وسيلة للوصول إلى السلطة…
لكنه أيضاً أسرع طريق لسقوط الأوطان.