منذ فجر التاريخ، والإنسان اليمني يجسد هويته في حركات إيقاعية تتجاوز مفهوم "الترفيه" لتصل إلى عمق السيادة والقوة. إنها *"رقصة البرع"* الأيقونة الشعبية التي لا تزال تُمارس في جبال ووديان اليمن كإعلان صريح عن الصمود، حاملةً معها إرثاً يمتد لأكثر من ألفي عام، وتحديداً منذ عهد الدولة الحميرية العظيمة.
*من ميادين القتال إلى منصات الاحتفال*
لم تكن البرع يوماً مجرد تمايل على أنغام الطبول، بل هي في جوهرها *"رقصة حربية"* بامتياز.
في العصور القديمة، كان المقاتلون الحميريون يصطفون في الميادين قبل ملاقاة الأعداء، يمارسونها كأداة "للحرب النفسية" وإرهاب الخصم.
*الجدية الصارمة:*
لا مكان للابتسامة في "حلقة البرع"؛ فالوجوه تكتسي بالصرامة، والعيون تتبادل نظرات "الحزر" والتحدي.
*تطور الأدوات:*
قديماً، كان الفارس يرقص ممسكاً بالرمح والترس. واليوم، استبدلت الأجيال تلك الأسلحة بالجنبية اليمانية (في اليد اليمنى) و"الغترة" (في اليد اليسرى) التي تُلوى وتُمسك كإشارة رمزية للترس القديم، في تمسك مذهل بتفاصيل الموروث.
*رقصة توحد الأطياف.. من الرئيس إلى المواطن*
تتميز البرع في اليمن بكونها عابرة للطبقات والمهن؛ فهي اللغة المشتركة التي يجيدها الجميع. يمارسها الرؤساء، القضاة، الأساتذة، والمشايخ، وكل فئات المجتمع.
إنها تعبير عن "الفروسية" التي لا تستثني أحداً، تماماً كما هي "العرضة النجدية" في المملكة العربية السعودية، التي شارك فيها ملوك السعودية عبر التاريخ كرمز للسيادة والقوة.
*مواقف خلدتها الذاكرة: حين احتضنت الأرض "عرفات"*
لم تكن البرع مجرد استعراض محلي، بل شارك فيها قادة وزعماء زاروا اليمن، مما يعكس عمقها الدبلوماسي والثقافي:
1.*الأمير سلطان بن عبد العزيز:*
في عهد الرئيس إبراهيم الحمدي، شارك الأمير سلطان في رقصة البرع حاملاً الجنبية اليمانية بجانب أحمد حسين الغشمي، في لفتة رمزية تعكس وحدة الموروث الشعبي في الجزيرة العربية.
2.*ياسر عرفات وفلسفة القاضي الشماحي:*
يذكر التاريخ موقفاً مؤثراً للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات أثناء ممارسته للبرع في "وادي ظهر"؛ حيث تعثر وسقط على الأرض. وفي تلك اللحظة، تجلت البلاغة اليمنية في رد القاضي الشماحي الذي قال له مواسياً ومعززاً: *"إنهض.. فأنت لم تقع، وإنما أرادت الأرض اليمنية أن تقبلك فجذبتك إليها"*
*إرثٌ لا يموت*
تظل البرع، بصورها المختلفة وأهازيجها المتنوعة في أنحاء اليمن، هي الرابط المتين الذي يربط يمن اليوم بـ "حمير" الأمس.
إنها مدرسة في الانضباط، القوة، والفخر، تؤكد أن هذا الشعب لا يزال يرقص على إيقاع الكرامة منذ ألفي عام، وسيبقى.