نحن مجتمع لا يصغي إلا لصوت طيشه، وعربدة قلمه في شوارع وأزقة المنشورات التافهة، إن كانت لا تُرضِي ذوقَك، فلم تعطيها أهمية، وتصرف لها من بنك وقتك؟ لم ترفع بتعليقك ومتابعتك من لا يستحق إلا الهجر والإعراض التام؟
البعض يظنون أن هجومهم وتعنيفهم لمثل هؤلاء نوع من العقاب، لا يعلمون أنه أصلاً يتعمّد أن يظهر بذاك السوء فقط ليحصد لايكات، لم أكن أفهم سابقًا ماذا تعني أن تحصد لايكات كثيرة إلا لاحقًا.
إذن الدافع الحقيقي هو كسب المال.
خسئ طريق كهذا، مال لا يُعرَف منبته،
قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوْا فَسَيَرَى اللّٰهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُوْلُهٗ وَالْمُؤْمِنُوْنَ ؕ..﴾
فماذا عملوا اليوم؟ نراهم في كل مكان يترصدون زلات غيرهم ليصبحوا ترندًا، ينشرون فيديوهات زائفة فقط ليحصدوا اللايكات التي تدرُّ عليهم أموالًا طائلة، لا يُهمّهم أعراضًا انتُهِكَت، المهم أن يجد ما ينشرونه رواجًا لدى المتلقّي، والأمَرُّ من هذا كله تركهم المنتحر يلقي بنفسه دون أدونى محاولة منهم لإيقافه، فقط ظلوا يرقبون من الأسفل ترمومتر تردده ما بين الإقدام على الموت من عدمه، مترقبين ميلاد لحظة الترند بقلب متلهّف، ونسوا أن هناك حياة ستُزهَق، ماتت ضمائرهم وأصبحت مجرد كاميرا متحركة تسعى لأن تتصدر الحدث بأي وسيلة كانت.
حتى السياسة شوّهوها وأساءوا إلى قادتها بخلقهم صورًا نسائية بالذكاء الاصطناعي، وجعلها تزور رؤوساء وتصافح قادة بارزين،
والمضحك أن تجد الكل مصدق لهذه الكذبة.
مثلًا هناك شخصية فيسبوكية لاقت استحسانًا كبيرًا من الشعب اليمني، فقط لأنها تتحدث من منطلق قوة، تبني لهم أحلامًا من ورق، وتُصدِر قرارات لا تتجاوز حدود ذلك المنشور البائس، لا أنكر أنني للوهلة الأولى صدقتها واقتنعت مثلهم، بل ضغطت لها متابعة، لكن بعد مضي فترة من متابعتي أدركتُ أنها ذكاء اصطناعي، إذ لم أقابل مطلقًا خلال جولاتي التفقدية للقنوات الإخبارية شيئًا يشير إليها ككيان بشري له وجود، لذا أخضعتُ صورتها للفحص من قبل من أنجبها، فاعترف ببساطة أنها من صُنع يده، في النهاية لا ألوم نفسي فأنا أبقى فتاة ولست ضليعة بأمور السياسة، لكن العتب يبقى معلّقًا على أكتاف الرجولة التي صدّقتها فقط لأنها امرأة.
بقلم أ.عبير الحداد