لم تُبنَ الدولة في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم بخطبة، ولا بشعار، ولا حتى بقوة مجردة، بل بوعي عميق بأن الاجتماع البشري لا يصمد ما لم يُؤسَّس على قاعدة صلبة من الأمن والاستقرار والتعاون.
هكذا جاءت صحيفة المدينة، لا كنص تنظيمي فحسب، بل كإعلان ميلاد لمجتمع سياسي يعرف من هو، وما الذي يجمعه، وما الذي يريده، وما الذي يهدده.
لم تكن الوثيقة تسعى إلى صهر الناس في هوية واحدة، ولا دين واحد، بل إلى تنظيم اختلافهم ضمن عقد عادل، لكل طرف حقوقه، وعليه واجباته، والجميع شركاء في حماية كيان الدولة، وامنها واستقرارها.
حرية في الاعتقاد، وعدالة في التعامل، والتزام مشترك بعدم خيانة الأمن أو إعانة العدو.
بهذا المعنى، لم يكن الأمن تفصيلًاً إدارياً، بل كان هو الأساس الذي قام عليه البناء كله.
في تلك اللحظة التأسيسية، تحوّل المجتمع من تجمع قبائل ، وملل، إلى أمة لها كيان سياسي، لا يجمعه الدم ولا الدين ، ولا عصبية، بل يجمعه عقد مسؤولية، أن نعيش معا، وأن نحمي بعضنا، وأن لا نطعن هذا الكيان من الداخل.
هذه الفكرة البسيطة والعميقة في آن، هي ما تصنع الدول الراشدة، فيها عدالة تُشعر الناس بالإنصاف، وحرية تمنحهم الكرامة، وتعايش سلمي يفتح المجال للاختلاف، ولكن كل ذلك ينهار فورا إذا انهار الأمن.
وعدن اليوم، ما يحدث فيها لا يمكن فهمه كحوادث معزولة.
الاغتيالات التي طالت دعاة، ومصلحين، وعسكريين، وشخصيات عامة، ليست مجرد جرائم جنائية، بل ضرب مباشر في جوهر الدولة.
حين يُستهدف أصحاب الكلمة، وأهل التأثير، وحملة المشروع الوطني، فإن الرسالة ليست لهم وحدهم، بل للمجتمع كله، لا أمان، ولا سقف يحميك.
وهنا تحديداً يبدأ التفكك الحقيقي، فالدولة لا تسقط حين تُهزم عسكريا فقط، بل حين يفقد الناس ثقتهم بأن هناك من يحميهم، أو أن هناك عقدا يضمن لهم الحد الأدنى من الأمان.
من يضرب الأمن يضرب الدولة، وفي منطق السياسة، لا توجد فراغات بريئة.
إضعاف الأمن ليس نتيجة عشوائية دائماً، بل قد يكون هدفاً بحد ذاته، فالدولة التي يُخترق أمنها، يسهل التحكم فيها، وتصبح قابلة للتفكيك، وتفقد قدرتها على حماية قرارها وسيادتها.
ولهذا فإن استهداف النخب المؤثرة ليس عبثاً، بل جزء من تفريغ المجتمع من عناصر تماسكه.
التجربة النبوية لم تكن مثالية حالمة، بل كانت واقعية وحازمة، يمكنك أن تختلف، أن تعارض، أن تحتفظ بهويتك، لكن لا يمكنك أن تكون جزءا من المجتمع وأنت تساهم في كسر أمنه.
هذا هو الحد الفاصل بين التعايش والفوضى.
أن الأمن ليس جهازا، بل عقدًا، وليس إجراءً، بل التزاما جماعيا.
حين يُحمى هذا العقد، تقوم الدولة، وحين يُخترق، تبدأ في السقوط، حتى وإن بقيت مؤسساتها قائمة.
،،،،،،،،،،،،،،
✍️ عبدالعزيز الحمزة
الأحد ٣ مايو ٢٠٢٦م