آخر تحديث :الخميس-04 يونيو 2026-02:46م

اليمن: فن العيش في "مجتمع الغابة" برتبة مواطن "مُستهلَك"!

السبت - 02 مايو 2026 - الساعة 11:49 ص
محمد أحمد العولقي



بقلم: محمد أحمد العولقي


في اليمن، لا تحتاج إلى كثيرٍ من الخيال لتفهم كيف يمكن للشعارات أن تُطعم شعباً جائعاً… على الأقل نظرياً. فهنا، تُقدَّم الخطابات العاطفية كوجبات يومية، تُوزَّع مجاناً على المواطنين، بينما يبقى الخبز الحقيقي سلعة نادرة، تحتاج إلى معجزة أكثر من حاجتها إلى المال. اليمن، هذا البلد الذي يبدو وكأنه مختبر مفتوح لتجارب الشعارات الكبرى، عاش طويلاً على وعود “الخلاص” و”الكرامة” و”السيادة”، حتى بات المواطن البسيط خبيراً في تذوق الكلمات… لا لأنه يحبها، بل لأنه لا يجد غيرها؛ فالكلمات هنا تُطبخ بإتقان، وتُقدَّم ساخنة في المؤتمرات، لكنها تصل إلى الناس باردة… إن وصلت أصلاً.


المفارقة الساخرة أن الجميع في اليمن يتحدث عن “بناء الدولة”، لكن لا أحد يملك الوقت لبنائها فعلاً؛ فالبناء يحتاج إلى عمل، والعمل يحتاج إلى استقرار، والاستقرار يحتاج إلى عقل بارد… وهذه كلها كماليات في بلد تُدار فيه الأمور بعاطفة ساخنة وشعارات أعلى من صوت الواقع. وفي خضم هذا الضجيج، يظل المواطن اليمني عالقاً في معادلة عبثية: كلما ارتفعت الشعارات، انخفض مستوى المعيشة، وكلما كثر الحديث عن الكرامة، ازداد البحث عن لقمة العيش، وكأن هناك قانوناً غير مكتوب يقول: “زيادة الجرعة الخطابية تؤدي إلى نقص حاد في الغذاء”.


ومن ملامح "الإبداع اليمني" في إدارة الأزمات، أننا استطعنا ترويض "الرياضيات" لتناسب أهواءنا؛ فالعملة عندنا قد تكتسب صفة "الثبات المقدّس"، لا تتحرك ولا تتزحزح وكأنها أصيبت بالشلل النصفي، لكن الأسعار في المقابل تملك أجنحة "سوبرمان"، تحلق في الأعالي وتزداد جنوناً كل يوم! وكأن المواطن مطلوبٌ منه أن يشبع من "جمال الرؤية" لاستقرار الصرف، بينما تخوض معدته حرباً عالمية ثالثة لتوفير ثمن كيس الدقيق.


أما العاطلون عن العمل، فقد وجدوا وظائفهم أخيراً في "طوابير الانتظار"، حيث الكفاءة والشهادات مجرد "أوراق للذكرى"؛ لأن "الواسطة" هي المؤهل الوحيد الذي يفتح أبواب الجنة الحكومية والخاصة؛ فإذا لم تكن تملك "قريباً" في الأعلى، فكرامتك المهنية ستبقى "قيد الانتظار" إلى إشعار آخر. المواطن هنا ليس شريكاً في الدولة، بل متفرج على مسرح كبير، تتبدل فيه الأدوار، بينما يبقى هو في المقعد نفسه… وربما بدون مقعد أصلاً.


والأجمل في المشهد أن الجميع يتحدث عن “الآخر” وكأنه المشكلة، بينما المشكلة الحقيقية هي غياب فكرة “نحن”؛ فالإقصاء أصبح سياسة، والتهميش أداة، والاختلاف تهمة جاهزة. وهكذا، يتحول المجتمع تدريجياً إلى جزر معزولة، يجمعها فقط انقطاع الكهرباء. في اليمن، لا أحد يختلف على أن الفقر مشكلة… لكن الاختلاف يدور حول من يملك حق الحديث عنه! فالسياسي يتحدث عن الفقر كرقم، والمواطن يعيشه كوجع، وبين الرقم والوجع، تضيع الحقيقة في زحمة البيانات والتصريحات.


وإذا كان التاريخ يقول إن “الدم يجرّ الدم”، فإن الواقع اليمني أضاف قاعدة جديدة: “والشعار يجرّ شعاراً”؛ فكل فشل يُغطّى بشعار جديد، وكل أزمة تُرحَّل بخطاب أطول. وهكذا، ندور في حلقة مفرغة، عنوانها: كثير من الكلام… وقليل جداً من الحياة. الكرامة، تلك الكلمة التي استُهلكت حتى فقدت معناها، لم تعد تعني في اليمن سوى القدرة على البقاء؛ أن تجد عملاً، أن تؤمّن طعاماً، أن تعيش يوماً إضافياً دون أن تحتاج إلى أحد… هذه هي الكرامة الحقيقية كفعل ازدهار مادي، لا تلك التي تُرفع على اللافتات وتُلاك في المنتديات.


إن غاية أي "عقد اجتماعي" هي أن تكون مواطناً "فاعلاً لا منفعلاً"، مؤثراً في مصيرك لا مجرد "كومبارس" في مسرحية الإقصاء التي تحول الوطن إلى "مجتمع غابة"، القوي فيه يقتات على حقوق الضعيف تحت مسمى "المصلحة العليا". وفي النهاية، يبدو أن اليمن لا ينقصه الوعي بالمشكلة، بل الشجاعة في مواجهتها؛ فالجميع يعرف أن الشعارات لا تبني دولة، وأن الإقصاء لا يصنع وطناً، وأن الفقر لا يُعالج بالخطب. لكن الاعتراف وحده لا يكفي… لأن المشكلة في اليمن ليست في نقص الأفكار، بل في فائض الوهم. وهكذا، يستمر العرض… وتستمر الجماهير في الحضور، ليس حباً في المسرحية، بل لأنه لا يوجد مسرح آخر!