"في زمنٍ لم تعد فيه السلطة بحاجةٍ إلى عصا غليظة تسوق بها الجماهير...
يكفيها فقط أن تحمل مرآةً مصقولة… تعكس للناس ما يحبّون أن يروه، لا ما ينبغي أن يُرى."
منذ أن وضع عالم النفس الأمريكي إدوارد بيرنيس (1891 - 1995) الأسس العلمية لاستخدام الإعلام والإعلانات للتأثير على الجماهير.... حتى تغيّرت قواعد اللعبة:
فلم يعد المطلوب أن تُجبر الناس على السير، بل أن تجعلهم يختارون الطريق الذي رسمته لهم مسبقًا—بكامل إرادتهم، وبشيءٍ من الحماسة.
القصة بسيطة في ظاهرها، معقّدة في باطنها:
خذ فكرةً (مهما كانت سذاجتها).
ألبسها ثوبًا لغويًا أنيقًا…
امنحها شعارًا سهل الترديد (كي يردده الحمقى والمغفلون)!!!
أطلقها في فضاءٍ مشبعٍ بالضجيج…
سيفعل بقيةُ الشعب الفعلَ نفسه!!
الناس هنا ليسوا بلا عقول، بل لأن العقول—حين تُغمر بالرسائل الموجّهة—تميل إلى الاختصار: تختار العبارة الأسهل، الصورة الأوضح، الإيقاع الأقرب.
عندها يتحوّل الشعار إلى حقيقةٍ بديلة، لا تُناقَش بقدر ما تُردَّد.
في هذا المسرح:
لا أحد يُساق بالسوط...
الجمهور يأتي طوعًا… يجلس في مقعده ويتماهى مع العرض!!!
فقط تُقدَّم له “انتصارات صغيرة” كوجباتٍ خفيفة: خبرٌ لامع، مشروعٌ مُعلن، وعدٌ مؤجَّل—كلها مصاغة بعناية كي تُشبع شعورًا، لا لتُنجز واقعًا.
ثم تأتي المرحلة الأرقى:
أن يصِلَ المخرجُ بالمتلقيَ إلى مرحلةٍ يدافع فيها بنفسه عن تلك الروايات الهزلية...
(لا لأنها مفروضة عليه... بل لأنها تُشبهه)!!
هنا تتداخل الرغبة مع الفكرة، فيصعب فصلهما:
ما أريده يصبح “صحيحًا”، وما يُطمئنني يصبح “حقيقة”.
أما المعارض؟
فلا حاجة لإسكاته في هذه المرحلة..
يكفي أن يُغرق صوته في بحرٍ من الأصوات الأعلى، أو أن يُعاد تعريفه بملصقٍ جاهز: متشائم، مغرض، خارج عن السياق، إرهابي، خائن، عميل، ضد مصالح الوطن... إلى آخر تلك التهم الجاهزة التي يُتَّهَم بها المعارض!!
وبهذه البساطة:
يتحوّل النقاش إلى هوامش، وتبقى الرواية في المتن....
الأمر، في جوهره، ليس احتقارًا للجماهير، بل فهمٌ لنقاط قوتها وضعفها:
قوتها: في قدرتها على التماسك حول معنىً مشترك، وإن كان وهمًا!!
وضعفها: في قابلية هذا المعنى لأن يُصاغ لها—إن أُحسن الصانع اختيار الكلمات.
هكذا يعمل “الوهم الجيد الصنع”:
لا يفرض نفسه... بل يتسرّب.
لا يصرخ... بل يهمس بما نحب سماعه.
لا يواجه الحقيقة... بل يحيط بها حتى تبدو زائدةً عن الحاجة.
في النهاية: لا يُسأل: من يقود؟
بل: من يعرف ما الذي يستحق أن يُقاد إليه؟
وهنا: في هذه المسافة الضيقة بين ما نرغب فيه وما يُراد لنا أن نرغبه!!!
تُكتب الحكاية كاملة....
(يصفّق الجميع—كلٌّ على إيقاعٍ يظنّه اختياره.)!!
# صرخة وعي ،،