آخر تحديث :السبت-09 مايو 2026-02:02م

الروب الأسود لا يدنسه الدخان .. عذراً يا مديحة

الجمعة - 01 مايو 2026 - الساعة 04:35 م
علي هادي الأصحري

بقلم: علي هادي الأصحري
- ارشيف الكاتب


كرامة سيدة القانون لا تداس بسجارة عسكري مستهتر. إن ما شهدته أروقة محكمة المنصورة لم يكن مجرد حادثة عابرة تطوى في دفاتر النسيان. ما حدث هو تدنيس صارخ لحرمة القضاء وصفعة مدوية على وجه العدالة وإعلان فج بأن هيبة القانون باتت تنفخ عليها أدخنة الاستهتار.


المحامية القديرة مديحة علي الشاؤوش. اسم لا يذكر إلا وتذكر معه الشجاعة والنزاهة. سيدة من سيدات القانون تقف كل يوم وجهاً لوجه أمام تجار السموم والقتلة والنصابين تحاربهم بالكلمة وبالحجة وبالدليل لا يهتز لها جفن ولا تلين لها قناة.


فهل ظن ذلك المستهتر أن نفخة من سيجارته في وجهها ستكسرها. خسئ وخاب ظنه. إن من يملك من ضبط النفس ما يجعله يصمد أمام وحوش. الجريمة لن تهز ثباته سحابة دخان تافهة خرجت من فم لم يعرف معنى الأدب ولا قلب لم يذق طعم الهيبة.


تعلمنا ان الحقوق وعلمنا الواقع أن المحامي ليس خصماً للقاضي بل شريكه. شريكه في تحقيق العدالة وعماده في إرساء ميزان الحق. فمن يهين المحامي داخل قاعة المحكمة فقد أهان القاضي على منصته. ومن داس كرامة الدفاع فقد داس هيبة القضاء كله.


ما جرى ليس اعتداءً على المحامية مديحة وحدها. هو اعتداء على كل محامي شريف يحمل ملفه ويقف تحت حرارة الشمس ليطالب بحق مظلوم. هو اعتداء على كل قاضٍ نزيه يسهر الليل يقرأ الأوراق ليحكم بالعدل. هو اعتداء على عدن. عدن التي كانت وما زالت عاصمة للقانون والمدنية.


أن تنفخ سيجارة في وجه سيدة قانون داخل حرم محكمة فهذا يعني أننا وصلنا إلى منعطف خطير. منعطف تهان فيه الروب الأسود قبل أن ينطق بالحكم. منعطف يصبح فيه المستهتر أقوى من النص والفوضى أعلى من القانون.


يا مديحة عذراً

عذراً لأننا سمحنا ليد العبث أن تمتد إلى معبد العدالة وأنتي فيه. عذراً لأنكي دافعتي عن حقوق الناس فلم نستطع أن نحمي حقكِ في الاحترام.


لكن اعلمي واعلموا جميعاً

الكرامة لا يحرقها الدخان بل تزيدها لمعاناً. والقامات لا تنحني لنفخة بل تزداد شموخاً. والقانون إن مرض لا يموت وما حدث اليوم سيكون الشرارة التي توقظ ضمائر الشرفاء.


نقف اليوم كلنا قضاة ومحامين وحقوقيين وإعلاميين ومواطنين. لنقولها بصوت واحد كرامة المحامية مديحة علي الشاؤوش من كرامة القضاء. وإهانتها إهانة لكل بيت ولكل أسرة ولكل من يؤمن أن العدل أساس الملك.


فليحاسب من تطاول وليعاد للعدالة اعتبارها. لأننا إن سكتنا اليوم على نفخة دخان فغداً ستحرق المحاكم كلها بنار الفوضى. عذراً يا مديحة لكننا لن نسكت.