آخر تحديث :الأحد-03 مايو 2026-12:25م

من بين صفحات الدكتور يحيى السهل: حكاية طالبٍ وجد في العلم شغفة

الجمعة - 01 مايو 2026 - الساعة 01:22 م
ايهاب ايسار فيصل

بقلم: ايهاب ايسار فيصل
- ارشيف الكاتب


منذ أن بدأت خطواتي الأولى في كلية الحقوق بجامعة عدن، كنت أظن أن علاقتي بالكتب لن تتجاوز حدود الواجب الدراسي؛ صفحات أُقلبها لأنجح، ومراجع أراجعها لأجتاز الامتحان لكنني، ومنذ السنة الأولى، فوجئت بأن بعض الكتب كانت تفتح لي بابا آخر غير باب الدراسة: باب المتعة، والدهشة، والاقتراب الحقيقي من العلم. وكان اسم الدكتور يحيى السهل حاضرا في تلك اللحظة حضورا خاصا لا يشبه غيره.

ذهبت إلى مكتبة الكلية، كما يفعل كل طالب يبحث عن طريقه بين الرفوف، فوجدت أن بعض مؤلفات الدكتور يحيى السهل تباع بسعر بسيط مقارنة بغيرها، وكأن المعرفة فيها تريد أن تصل إلى الطالب دون عناء، أو كأن مؤلفها أراد لها أن تكون قريبة من اليد كما هي قريبة من العقل. لم يكن ذلك وحده ما شدّني؛ بل إن المراجع نفسها كانت، في لغتها ومنهجها، مسيرة نحو الطالب لا متعالية عليه. كانت عباراتها واضحة، وأفكارها مرتبة، وبناؤها العلمي منسجما مع مستوى الطالب الجامعي في سنواته الأولى، فكنت أقرأها بشغف لا يطلب إجبارا، واستوعبها بطمأنينة لا أجدها في كثير من الكتب الأخرى.

كنت كلما فتحت كتابا من كتبه، خصوصا في تاريخ القانون وغيره من الموضوعات، أشعر أنني أمام عالمٍ يعرف كيف يخاطب العقل الهادئ، لا العقل التعجل كنت أقرأ الصفحة فأنتقل إلى التي بعدها من غير مقاومة، وأكمل الكتاب وكأنني في رحلة فكرية ممتعة لا في واجب دراسي ثقيل ولعل هذه من أعظم خصال العالم الحقيقي: أن يكتب علما رصينا بلغة تحبب القارئ في المعرفة، وأن يقدم الفكرة العميقة في قالبٍ يفتح الباب للفهم لا يغلقه

ومع مرور السنوات، من بداية البكالوريوس حتى نهايته، ظل اسم الدكتور يحيى السهل بالنسبة لي مقرونا بالراحة العلمية والرضا المعرفي كنت كلما وجدت أن المرجع المقرر هو أحد كتبه شعرت بسعادة خاصة، سعادة لا تنبع من سهولة الطريق وحدها، بل من الثقة بأنني سأجد بين الصفحات علما صادقا، وأسلوبا منضبطا، ومادة لا تتعالى على القارئ ومع ذلك، بقي في داخلي تصور أن هذا الرجل قد غاب عن الحياة، لأن أغلب ما كنت أراه له في الكلية كان في صورة كتب تتردد أسماؤها على ألسنة الطلبة والأساتذة، حتى خيل إلي أن صاحبها قد صار أثرًا علميًا باقيا أكثر من كونه حاضرًا بيننا.

لكن المفاجأة الكبرى جاءت حين تخرجت من مرحلة البكالوريوس، واتجهت إلى قسم الدراسات العليا لأبدأ التحضير لمرحلة الماجستير في القسم العام، فإذا بي أكتشف أن صاحب هذا الرصيد العلمي والفكري العظيم لا يزال حيًّا، حاضرًا بعلمه، يحاضر في قسم القانون العام، ولا سيما في مادة المالية العامة. وكانت تلك اللحظة، في نظري، من اللحظات النادرة التي يهبها الله للإنسان هبةً خاصة؛ لحظة يلتقي فيها الطالب بالمصدر الذي كان يقرأه في صمت، ويتلمذ على النصوص قبل أن يتلمذ على صاحبها، ثم يجد نفسه أخيرًا أمام القامة التي صنعت في داخله هذا الارتباط الجميل بالعلم.

في تلك اللحظة أدركت أنني لم أكن أمام مجرد أستاذ يكتب مقررات جامعية، بل أمام صرح علمي وتربوي نادر، رجلٍ جمع بين عمق الفقه القانوني ووضوح البيان، وبين الصياغة المحكمة والقدرة على تبسيط المعنى دون أن يفقده قيمته. لقد كان بالنسبة لي أكثر من مؤلف، وأكثر من محاضر؛ كان علامة فارقة في مسيرتي العلمية، وشاهدًا على أن العلم إذا خرج من قلبٍ واعٍ ولسانٍ صادق فإنه يصل إلى الطلاب كأنه ضوء لا كأنه نص جامد.

إن أمثال الدكتور يحيى السهل هم الثروة الحقيقية لأي جامعة، لأنهم لا يكتفون بتدريس المادة، بل يزرعون في نفوس طلابهم احترام المعرفة، وحب البحث، والقدرة على الفهم لا الحفظ فقط. وهم الذين يجعلون من المقرر الجامعي تجربةً فكريةً ممتعة، لا عبئًا ثقيلًا. وفي حضرة هؤلاء، يشعر الطالب أن بينه وبين العلم قرابةً حقيقية، وأن الجامعة لا تمنحه شهادة فحسب، بل تمنحه أسلوبًا في التفكير، وذائقة في الفهم، ومنهجًا في التعامل مع النصوص والأفكار.

لهذا كله، بقي الدكتور يحيى السهل في وجداني ليس مجرد اسم على غلاف كتاب، بل مدرسةً علميةً كاملة، وموقفًا تربويًا راقيًا، وتجربةً شخصية عميقة لا تُنسى. وإنني كلما تذكرت تلك البداية في مكتبة كلية الحقوق، وتلك الدهشة التي صاحبت اكتشافي أنه ما زال بيننا يحاضر ويعلم، ازددت يقينًا بأن الله قد يهيئ للإنسان لحظةً من لحظات الامتنان لا تشبه سواها؛ لحظة يلتقي فيها التلميذ بمن علّمه من بعيد، فيدرك أن بعض العقول لا تُقرأ فقط، بل تُحترم، وتُحَب، وتُتتلمذ عليها.

هذا هو الدكتور يحيى السهل في نظري: علم حاضر، وأثر باق، وقامة أكاديمية نادرة، تستحق أن تذكر بكل إجلال، وأن تُروى سيرتها بكل تقدير.