لم يعد خافياً على أحد في المحافظات المحررة أن مفهوم الدولة قد تم إفراغه من مضمونه الأخلاقي والخدمي
ليتحول في نظر الطبقة الحاكمة إلى مجرد مغنم كبير نحن اليوم لا نواجه أزمة اقتصادية فحسب بل نواجه أزمة
ضمير وطني حادة حيث انقسم المشهد إلى عالمين متوازيين لا يلتقيان عالم الموظف البسيط الذي يقتات الصبر
وعالم رجال الغنائم الذين يقتاتون على جراح الناس .
حين يطالب المعلم أو الجندي أو الطبيب بفتات راتبه الذي لا يكفي لسداد قيمة كيس من القمح تخرج علينا
المبررات الجاهزة والمعلبة لا توجد سيولة الإيرادات ضعيفة الحرب أكلت الأخضر واليابس .
لكن المفارقة المضحكة المبكية هي أن هذه السيولة التي تختفي فجأة أمام حقوق البسطاء تتدفق بغزارة مريبة
حين يتعلق الأمر ببدلات السفر المسؤولين ونثريات المكاتب وتأثيث الفلل في العواصم الخارجية نجد كبار
رجال الدولة ينعمون بالعملة الصعبة (الدولار والريال السعودي) بينما يصارع المواطن المغلوب على أمره
للحصول على فتات من العملة المحلية المنهارة .
لقد تحولت الوظيفة العامة من تكليف لخدمة الشعب إلى صك استثماري للمسؤول وبطانته رجل الدولة الحقيقي
هو من ينام وجوع شعبه يؤرقه أما رجل الغنيمة فهو من يعتبر الكرسي فرصة ذهبية لجمع أكبر قدر من الثروة
قبل أن تدور الدائرة .
إن المشهد اليوم لم يعد صراعاً سياسياً فحسب بل أصبح فجوة أخلاقية سحيقة حيث يتضور الأب جوعاً أمام
أطفاله بينما يتبادل المسؤولون الضحكات في الفنادق الفاخرة .
إن استمرار هذا التمايز الطبقي الفجّ واستعراض البذخ بالعملات الصعبة في وجه شعب يطحن الفقر عظامه هو
الوصفة المثالية للانفجار لا يمكن لمن يشبع بمال الدولة أن يطالب الجائع بالصبر تحت شعار الوطنية فالوطنية
ليست شيكاً على بياض يمنحه الفقراء للأغنياء بل هي عدالة في التوزيع وتكافؤ في المعاناة قبل المكتسبات .
يا هؤلاء إن التاريخ لا يرحم والجوع لا يعرف الدبلوماسية الموظف الذي لا يجد قيمة دوائه اليوم لن يظل
صامتاً للأبد أمام مشاهد قصوركم وسياراتكم الفارهة لقد شبعنا وعوداً وجاع أطفالنا واقعاً فإما أن تكونوا رجال
دولة بحق تتحملون آلام شعبكم أو اتركوها لمن يشعر بوجع الناس فالبلاد ليست إرثاً خاصاً والوظيفة ليست
مغنماً للمحاسيب الحقيقة المرة السيولة موجودة لكنها ضلت طريقها إلى جيوب الخاصة وتركت العامة في مهب
الريح .