آخر تحديث :الخميس-30 أبريل 2026-02:05ص

صرخة مستأجر

الخميس - 30 أبريل 2026 - الساعة 01:43 ص
موسى المليكي

بقلم: موسى المليكي
- ارشيف الكاتب


غلاء الإيجارات في تعز لم يعد مجرد ظاهرة اقتصادية عابرة، بل تحول إلى أزمة حقيقية تمسّ حياة الناس في عمقها، وتضغط على مختلف فئات المجتمع بشكل يومي ومباشر. ومع استمرار موجات النزوح وارتفاع الطلب على السكن مقابل محدودية العرض، أصبحت الإيجارات ترتفع بوتيرة تفوق قدرة المواطن العادي على التحمّل، ما خلق فجوة قاسية بين الدخل وتكاليف المعيشة.


المواطن البسيط هو أول من يدفع الثمن. فالعامل أو الموظف الذي يتقاضى راتبًا محدودًا يجد نفسه مضطرًا لتخصيص معظم دخله للإيجار، تاركًا احتياجاته الأساسية الأخرى—كالغذاء، والعلاج، والتعليم—في مهبّ العجز. هذا الوضع يدفع الكثير من الأسر إلى العيش في مساكن غير لائقة، أو مشاركة السكن مع عائلات أخرى، في ظروف تفتقر للخصوصية والاستقرار.


أما الجندي، الذي يقف في الصفوف الأمامية دفاعًا عن الوطن، فيواجه معاناة مضاعفة. فراتبه غالبًا لا يكفي لتغطية إيجار مسكن مناسب لعائلته، مما يضطره إلى الاستدانة أو إبقاء أسرته في مناطق بعيدة عنه، وهو ما يؤثر على حالته النفسية وأدائه في الميدان.


كيف يمكن لمن يحمل همّ الوطن أن يؤدي واجبه على أكمل وجه وهو مثقل بهمّ السكن؟

المعلم كذلك ليس بمعزل عن هذه الأزمة. فهو، رغم رسالته النبيلة، يعاني من ضعف الدخل مقارنة بارتفاع تكاليف الحياة. ومع ارتفاع الإيجارات، يجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما السكن في مناطق بعيدة تستهلك وقته وجهده في التنقل، أو القبول بسكن غير ملائم يؤثر على استقراره وأدائه التعليمي. وهذا ينعكس في النهاية على جودة التعليم نفسها.


أما النازح، فهو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. فقد ترك منزله ومصدر رزقه، ليجد نفسه في مدينة ترتفع فيها الإيجارات بشكل يفوق قدرته تمامًا. كثير من النازحين يعيشون على المساعدات الإنسانية، التي بالكاد تكفي لتأمين الغذاء، فكيف لهم تحمّل إيجارات مرتفعة؟ النتيجة هي انتشار العشوائيات، أو الاعتماد على الإيواء المؤقت، أو الوقوع تحت رحمة الاستغلال.


هذه الأزمة ليست مجرد أرقام، بل هي معاناة يومية تتجسد في قصص آلاف الأسر. وهي تستدعي تدخلًا جادًا من الجهات المعنية، سواء عبر وضع ضوابط لأسعار الإيجارات، أو دعم مشاريع الإسكان، أو توفير بدائل سكنية ميسّرة للفئات الأكثر تضررًا. كما أن للضمير المجتمعي دورًا مهمًا؛ فالتخفيف عن الناس في أوقات الشدة ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة إنسانية.


في النهاية، يبقى السكن حقًا أساسيًا، وليس سلعة للمضاربة والاستغلال. وإذا لم يتم التعامل مع هذه الأزمة بحكمة وعدالة، فإن آثارها ستتجاوز الأفراد لتطال استقرار المجتمع بأكمله.