آخر تحديث :الخميس-30 أبريل 2026-12:35ص

أمريكا قادرة .. لكنها ليست قدراً

الأربعاء - 29 أبريل 2026 - الساعة 08:05 م
محمد خالد الحسيني

بقلم: محمد خالد الحسيني
- ارشيف الكاتب


بين القدرة الأميركية وحدودها .. يعود دونالد ترامب إلى الواجهة بخطاب مشحون، صورة انفجار، وعبارة قاطعة .. لن أكون السيد اللطيف بعد الآن.

مشهد يبدو وكأنه إعلان مرحلة جديدة، لكن خلف هذا الإخراج الصادم تكمن فكرة أعمق .. استدعاء صورة أميركا القادرة، لا أميركا التي لا تستطيع، أو أمريكا التي تُرَد.

هنا تحديدًا يبدأ التفكيك، القوة كصورة، لا كقدر .. ما يقدّمه ترامب ليس مجرد تهديد، بل إعادة إنتاج لفكرة قديمة بصياغة أكثر حِدّة .. الولايات المتحدة تملك القدرة، لكنها ليست مطلقة اليد.

هناك فارق بين القدرة والحتمية، أميركا تستطيع أن تضغط، أن تعاقب، أن تصعّد، أن تلوّح بالقوة، لكنها لا تتحرك في فراغ، ولا تفرض نتائج نهائية بإرادة منفردة كما يوحي الخطاب.

هذا التوتر بين ما تستطيع فعله، وما لا يمكنها تحقيقه فعليًا هو ما يغيب غالبًا خلف اللغة النارية.

إيران .. الهدف أم الوسيلة؟ ظاهريًا، تتجه السهام نحو إيران، تصريحات بأن أمريكا هزمت إيران، اتهامات بالعجز، تشكيك في القدرة على التفاوض، وضغط نفسي واضح.

لكن في العمق، إيران هنا ليست سوى ساحة لإظهار الفكرة .. نحن الأقوى إذا أردنا.

فهل انتهت لعبة إيران، أم أنها بدأت ولكن بصيغة جديدة؟

الواقع أكثر تعقيدًا، إيران، رغم العقوبات والضغوط، لم تتحول إلى كيان منهار، بل أعادت التموضع، وتكيّفت مع الضغوط، ما يكشف حدود القوة الأميركية حين تصطدم بواقع سياسي وجغرافي معقّد.

بمعنى آخر .. القدرة موجودة، لكن السيطرة الكاملة وهم.

لن أكون لطيفًا .. لمن الرسالة؟ العبارة ليست موجهة فقط إلى الخارج، هي أيضًا خطاب داخلي بامتياز.

ترامب لا يخاطب خصومه بقدر ما يخاطب صورته أمام جمهوره .. القائد الذي لا يتردد، الذي يرفع السقف، الذي لا يساوم بسهولة.

لكن هذه اللغة، رغم حدّتها، لا تعني بالضرورة انتقالًا إلى الفعل العسكري.

بل غالبًا ما تكون جزءًا من لعبة أكبر .. رفع التوقعات إلى أقصاها، ثم التفاوض من موقع يبدو أكثر قوة.

هل التصعيد حقيقي؟ التاريخ القريب يقول إن ترامب يميل إلى حافة التصعيد دون القفز منها.

هو يستخدم التهديد كأداة، لا كغاية، يخلق أزمة، ثم يعيد تعريفها، ثم يعرض حلًا يبدو معقولًا مقارنة بما سبقه من حلول.

وهنا تظهر المفارقة .. أميركا قادرة على إشعال المواجهة، لكنها ليست دائمًا قادرة على حسمها بالشكل الذي تريده.

هزيمة إيران .. رواية القوة، حين يتحدث ترامب عن هزيمة إيران، فهو لا يصف واقعًا عسكريًا بقدر ما يبني سردية سياسية.

العقوبات والضغط أدوات فعالة، لكنها لا تعني نهاية الخصم، بل غالبًا ما تعني إعادة تشكيله.

وهذا يعيدنا إلى الفكرة الأساسية .. القوة الأميركية تؤثر، لكنها لا تُنهي.

العدو المتحرك .. في خطاب كهذا، لا يوجد عدو أخير، الخصم يتغير، لأن الفكرة ليست في من يُواجه، بل في استمرار صورة المواجهة نفسها.

الصين، روسيا، إيران، أم غيرها، كلها عناوين محتملة، لكن الثابت عند ترامب هو الحاجة إلى خصم يعكس صورة القوة الأمريكية.

بين الاستعراض والحقيقة .. الخطأ ليس في أخذ تصريحات ترامب بجدية، بل في أخذها حرفيًا، هو لا يقول شيء من فراغ، لا يكذب بقدر ما يضخّم، ولا يهدد عبثًا بقدر ما يعيد ترتيب المشهد لصالحه.

تصريحاته تعمل على مستويين .. مستوى رمزي: إعادة تثبيت صورة أميركا القوية،

ومستوى عملي: فتح باب تفاوض من موقع مرتفع.

الخلاصة: القدرة ليست قدرًا، وما يقوله ترامب يعيد التذكير بحقيقة أساسية .. الولايات المتحدة قوة كبرى، لكنها ليست قوة مطلقة، وهذا ما أثبتته الحرب الأخيرة مع إيران.

تستطيع أن تبدأ، أن تضغط، أن تغيّر المسارات، لكنها لا تملك دائمًا الكلمة الأخيرة، ولا تستطيع دائماً التحكم بنهايات الأمور.

وبين خطاب يقول نحن نستطيع كل شيء، وواقع يفرض ليس كل شيء ممكنًا، تتشكل السياسة الحقيقية.

في هذه المسافة تحديدًا .. بين القدرة والحد، يكتب ترامب خطاباته، وتُفهم رسائله.