آخر تحديث :الخميس-30 أبريل 2026-12:35ص

قصة التعليم في عدن: من المنارة والريادة إلى الموت السريري

الأربعاء - 29 أبريل 2026 - الساعة 07:19 م
عوض عميران

بقلم: عوض عميران
- ارشيف الكاتب


​شكّلت مدينة عدن، مع مطلع القرن العشرين وخصوصًا منذ عام 1910 حين فُتحت أول مدرسة حكومية، حالةً استثنائية في الوجدان العربي. لم تكن مجرد ميناء استراتيجي على خارطة التجارة العالمية، بل بدت كأنها مختبر مبكر للتحديث في محيطٍ ما يزال يخطو خطواته الأولى نحو التعليم النظامي. كانت عدن، في فترات طويلة من تاريخها، وجهةً لنخبٍ إقليمية رأت في مدارسها نموذجًا مختلفًا في الانضباط وبناء الشخصية، حتى إن بعض أبناء الأسر الحاكمة في المنطقة وجدوا فيها بيئة تعليمية أكثر انتظامًا وصرامة من محيطهم الأوسع.

​ما قبل 1990: صرامة إدارية في قوالب جامدة

​حين نتحدث عن منظومة التعليم في عدن، غالباً ما تستحضر الذاكرة الجمعية صورة "النظام الصارم" والانتظام الإداري الذي ساد قبل تسعينيات القرن الماضي. لكن القراءة الفاحصة، بعيداً عن العاطفة، تكشف أن بذور الأزمة الحالية لم تُبذر فقط في العقود الأخيرة، بل هي نتاج تراكمي لسياسات تعليمية جعلت من "المدرسة" ساحة للصراع الأيديولوجي، سواء قبل عام 1990 أو ما بعده.

​وحتى مع التحولات السياسية الراديكالية التي أعقبت الاستقلال عام 1967، ودخول عدن في مرحلة التجربة الاشتراكية وما رافقها من أيديولوجيا انعكست على المناهج والخطاب التربوي، ظلّ التعليم يحتفظ بدرجة ملحوظة من الانضباط المؤسسي. كانت المدرسة تُدار بمنطق صارم: إدارة حاضرة، ومعلم يتمتع بهيبة اجتماعية واضحة، وطالب يدرك أن النظام المدرسي ليس مساحة مرنة للتجاوز.

​ذاكرة أجيال الثمانينيات ما تزال تحتفظ بمشاهد واضحة لذلك الانضباط؛ مدارس تعمل وفق جداول دقيقة، ودوام يُحترم، وبيئة مدرسية لا تسمح كثيرًا بالتهاون. لم يكن الأمر مثاليًا، لكنه كان قائمًا على فكرة أن التعليم مؤسسة جدية لها قواعدها الصارمة. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن عدن كانت تمتلك نظاماً تعليمياً يتسم بالانضباط العالي والمساواة في التحصيل العلمي، إلا أن هذا النظام كان محكوماً بـ "الأدلجة الشمولية". كانت المناهج حينها تُصاغ لخدمة توجهات سياسية محددة، تضع الطالب في إطار فكري مغلق يفتقر للمرونة ومواكبة التحديثات العالمية في العلوم الإنسانية والتقنية. كانت "الجودة" هنا تكمن في العملية الإجرائية (انتظام، هيبة معلم، توفر كتاب)، لكنها كانت تعاني من جمود المحتوى وتغييب التعددية المعرفية.

​زلزال 1990: استبدال الأدلجة لا تحرير العقل

​مع قيام الوحدة، لم تنتقل عدن إلى مرحلة "تحديث المناهج" بالمعنى العلمي، بل انتقلت من "أدلجة اليسار" إلى "أدلجة اليمين والمحاصصة". تم فرض مناهج جديدة بُنيت على توازنات سياسية قلقة بين القوى المتصارعة في صنعاء حينها، مما جعل المحتوى التعليمي أداة لترسيخ نفوذ قوى تقليدية على حساب القيم العلمية والمدنية التي كانت عدن تمثلها.

​هذا التحول لم يكتفِ بتغيير المضمون، بل ضرب "الصرامة الإدارية" التي كانت ميزة عدن الوحيدة؛ فبدأت المحسوبية تتسلل إلى مفاصل القرار التربوي، وأصبح التعيين في المناصب التعليمية مكافأة سياسية لا استحقاقاً مهنياً. وبدأت ملامح التحول تظهر بصورة تدريجية وغير متوازنة؛ لم يكن الانحدار لحظة واحدة بقدر ما كان مسارًا طويلًا من التآكل المؤسسي الذي أصاب بنية التعليم في الصميم. ومع مرور الوقت، خاصة بحلول منتصف العقد الأول من الألفية، بدأت مظاهر هذا التراجع تتسع بشكل واضح: تراجع مكانة المعلم داخل المجتمع والمدرسة، ضعف الانضباط المدرسي وتآكل سلطة الإدارة، وانتشار مظاهر الغش بوصفها سلوكًا شبه اعتيادي في بعض البيئات التعليمية. لم يعد التعليم يُنظر إليه كمسار صاعد مضمون القيمة، بل كمنظومة تتراجع فيها الثقة تدريجيًا، مع تباين واضح بين المدارس والمناطق.

​عقدان من التيه: لغة الأرقام الصادمة

​ابتداءً من عام 2011، ومع تعمّق الأزمة السياسية والأمنية، دخلت العملية التعليمية مرحلة أكثر تعقيدًا، انعكست بشكل مباشر على استقرار المدارس وقدرتها على أداء وظيفتها الأساسية. ومع تصاعد الصراع منذ 2015، أصبحت المنظومة التعليمية أمام تحديات وجودية حقيقية. التقارير الدولية الصادرة في العقدين الأخيرين (2006-2026) ترسم مساراً بيانياً هابطاً؛ فوفقاً لتقارير البنك الدولي و"اليونيسف"، دخلت عدن في نفق "الانهيار الهيكلي" نتيجة لعدة عوامل:

​فقر التعلم كحصيلة نهائية: تشير البيانات إلى أن فجوة التعلم في عدن اليوم ليست ناتجة عن الحرب فحسب، بل عن تراكم عقود من المناهج غير المحدثة التي لا تربط الطالب بسوق العمل، مما جعل نسبة كبيرة من الخريجين يحملون شهادات بلا مهارات حقيقية، وباتت الشهادة التعليمية تفقد جزءًا من وزنها المعرفي والاجتماعي نتيجة اختلالات واسعة في العملية التعليمية.

​انهيار المكانة المادية للمعلم: مع تآكل القيمة الشرائية للعملة، فقد المعلم مكانته الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما أدى إلى انهيار "القدوة التربوية" التي كانت ركيزة النظام التعليمي الصارم قبل 1990، حيث أصبح التعليم نفسه مرتبطًا بظروف اقتصادية صعبة أثرت على انتظامه واستقراره.

​الانفجار الديموغرافي وعجز البنية التحتية: وثقت التقارير الحكومية عجزاً هائلاً في توفر الفصول الدراسية، حيث أدى النزوح إلى تكدس يصل لـ 80 طالباً في الفصل، مما أجهز على ما تبقى من "جودة" تعليمية، في ظل مدارس تعاني من نقص الإمكانات، ومعلمون يواجهون ظروفًا معيشية صعبة، وبيئة تعليمية تتأثر مباشرة باضطراب الدولة ومؤسساتها.

​“الموت السريري” للمؤسسة التعليمية

​يمكن توصيف هذه المرحلة، من زاوية تحليلية، بأنها مرحلة “موت سريري” للمؤسسة التعليمية؛ بمعنى أنها ما تزال قائمة شكليًا، لكنها تعاني من عجز عميق عن أداء دورها المركزي بالشكل الذي كانت عليه سابقًا. إن الأزمة الجوهرية في عدن تكمن في أن المنظومة التعليمية لم تتحرر يوماً من التوظيف السياسي؛ فقبل 1990 كان التعليم "مؤدلجاً ومنظماً"، وبعد 1990 أصبح "مؤدلجاً وفوضوياً".

​ومن أخطر تداعيات هذا التراجع أن المتأثر الأول به هو الطالب نفسه؛ الطفل والمراهق الذي يفترض أن يكون محور العملية التعليمية. فبدل أن تكون المدرسة مساحة لصناعة الوعي والمعرفة، أصبحت في بعض الحالات بيئة مثقلة بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية، تنعكس على انتظام التعليم واستقراره. تأثير الأزمة لم يقتصر على التعليم فقط، بل امتد إلى مستقبل جيل كامل، يجد نفسه في مواجهة واقع معقد تتداخل فيه الأزمات المعيشية مع محدودية الفرص التعليمية.

​الخلاصة: استعادة الدور المفقود

​إن استعادة عدن لمكانتها التعليمية ليست مسألة تقنية أو إدارية فقط، بل هي قضية تتعلق بإعادة بناء الثقة في المدرسة كمؤسسة، وفي التعليم كقيمة اجتماعية مركزية. إن استعادة التعليم في مدينة عدن تتطلب اليوم أكثر من مجرد ترميم المدارس أو طباعة الكتب؛ إنها تتطلب "تحريراً للمنهج" من الأدلجة بكل أشكالها، وإعادة الاعتبار للمعايير المهنية الصارمة التي فُقدت في زحام الصراعات السياسية.

​إننا لا نحتاج للعودة إلى الماضي بجموده، بل لبناء مستقبل يجمع بين صرامة "المدرسة العدنية" القديمة وبين انفتاح العلوم الحديثة وكرامة المعلم المعيشية. فالمستقبل يظل مرهوناً بسؤال أكبر من مجرد تحسين المناهج أو ترميم المباني: هل يمكن استعادة الوظيفة التاريخية للتعليم في مدينة تآكلت فيها مؤسساتها تحت ضغط التحولات المتعاقبة؟ يبقى هذا السؤال مفتوحًا، لكنه في جوهره يعكس معركة أعمق من التعليم نفسه: معركة استعادة المعنى.