في الأول من مايو من كل عام يحتفي العالم بعيد العمال العالمي بوصفه مناسبة رمزية لتكريم الطبقة العاملة وإبراز دورها الأساسي في بناء المجتمعات ودفع عجلة الإنتاج والتنمية وهو يوم يعيد التأكيد على أن كرامة الإنسان تبدأ من عدالة بيئة العمل ومن قوة أنظمة الحماية الاجتماعية التي تضمن له ولأسرته الأمان والاستقرار
وفي مناطق الشرعية في اليمن يمر هذا اليوم في ظل واقع اقتصادي ومعيشي بالغ التعقيد تتداخل فيه التحديات المعيشية مع هشاشة سوق العمل وتراجع فرص التوظيف وضعف مستويات الدخل إلى جانب تحديات أعمق تتعلق بضعف أنظمة الحماية الاجتماعية وتراجع فاعليتها في بعض الجوانب
وتبرز في هذا السياق قضية التهرب التأميني كأحد أبرز الإشكالات التي تمس حقوق العمال بشكل مباشر حيث لا يزال عدد من أصحاب الأعمال يتجنبون الالتزام بالاشتراك في التأمينات الاجتماعية الأمر الذي يحرم آلاف العمال من حقهم في التغطية التأمينية ويجعلهم في مواجهة مباشرة مع مخاطر فقدان الدخل في حالات الشيخوخة أو العجز أو الوفاة في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان الوظيفي
إن خطورة هذه الظاهرة لا تقتصر على بعدها المالي فقط بل تمتد إلى آثار اجتماعية وإنسانية عميقة إذ تؤدي إلى إضعاف منظومة الحماية الاجتماعية وزيادة هشاشة العامل وأسرته وتعميق حالة القلق وعدم اليقين تجاه المستقبل وهو ما يجعل من قضية التأمينات الاجتماعية قضية حياة وكرامة قبل أن تكون التزاما قانونيا
ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى تفعيل قانون التأمينات الاجتماعية بشكل عادل وشامل وتعزيز الرقابة على سوق العمل وتطبيق العقوبات بحق المخالفين إلى جانب بناء شراكة حقيقية بين الدولة وأصحاب الأعمال والعمال تقوم على مبدأ أن الحقوق التأمينية ليست خيارا بل حقا أصيلا لا يجوز التهاون فيه
كما أن معالجة هذا الواقع تتطلب رفع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية الاشتراك التأميني باعتباره استثمارا في المستقبل وليس عبئا ماليا إلى جانب تطوير منظومة التأمينات بما يضمن كفاءتها وعدالتها وقدرتها على الاستدامة خصوصا في ظل التحديات الاقتصادية القائمة
وفي هذا الإطار تأتي التغييرات الإدارية الأخيرة في قيادة المؤسسة بتعيين الأستاذ عبدالحكيم الحياني رئيسا للمؤسسة والدكتور حاتم باسردة نائبا للرئيس كخطوة تعكس إدراكا لحجم التحديات القائمة ومحاولة لإعادة ضبط الأداء المؤسسي وتعزيز قدرته على مواجهة واقع مالي وتشغيلي معقد غير أن هذه الخطوة رغم أهميتها تظل جزءا من مسار إصلاحي أوسع يتطلب تطوير أنظمة التحصيل وإعادة بناء قواعد البيانات وتعزيز الشفافية وتوسيع أدوات الاستثمار بما يضمن استدامة النظام
وفي المحصلة وبينما يحتفي العالم بعيد العمال تبرز أهمية ربط هذه المناسبة بمعاني الحماية الاجتماعية إذ لا يمكن الحديث عن كرامة العامل دون نظام تأميني قوي وعادل فالتأمينات ليست مجرد مؤسسة مالية بل عقد اجتماعي يعكس احترام الدولة للعامل ويترجم حقوقه إلى ضمانات ملموسة
وبين واقع اقتصادي ضاغط وتحديات معيشية متزايدة تبقى المسؤولية مشتركة بين المؤسسة وأصحاب الأعمال والعمال لإعادة بناء منظومة تأمينية أكثر عدلا وكفاءة قادرة على حماية العامل في حاضره وضمان استقراره في مستقبله بما ينسجم مع جوهر عيد العمال ومعناه الحقيقي