آخر تحديث :الخميس-30 أبريل 2026-02:33م

في اليمن… وفي فلسطين أيضًا: حين يصبح السؤال مقاومة .. ردًّا على مقال الأستاذ نجيب الكمالي

الأربعاء - 29 أبريل 2026 - الساعة 05:27 م
غسان جابر

بقلم: غسان جابر
- ارشيف الكاتب


قرأت مقال الأستاذ نجيب الكمالي بكثير من التقدير، لا لأنه كتب عني، بل لأنه كتب عن وجعٍ عربي مشترك بلغة صادقة لا تتزين ولا تجامل. وقد نجح في أن يضع إصبعه على جرحٍ عميق: هناك أوطان لم تعد تختلف فقط في نتائج الانتخابات، بل في قدرتها أصلًا على تذكّر معنى الانتخابات.


ما كتبه عن اليمن ليس مجرد توصيف سياسي، بل شهادة موجعة على ما يحدث حين يطول الغياب حتى يصبح الغياب هو القاعدة، وحين تتآكل الدولة إلى حدّ أن يصبح الحلم بوجودها أكبر من الحلم بتداول السلطة داخلها.


وأنا حين كتبت: ننتخب الرصيف… فمن ينتخب الوطن؟ لم أكن أهاجم الانتخابات المحلية، ولا أقلل من قيمة صندوقٍ يختار شارعًا أو مجلسًا أو خدمةً عامة، بل كنت أرفض أن يتحول الحد الأدنى إلى سقف نهائي، وأن يصبح انتخاب الرصيف بديلاً عن انتخاب المصير.


لكن مقال الأستاذ نجيب ذكّرني بحقيقة أخرى لا تقل أهمية: أن بعض الشعوب لم تعد تناقش سقف الديمقراطية، بل تبحث عن أرض تقف عليها أولًا.


في فلسطين، نعم، لدينا احتلال، وانقسام، وتعطيل متكرر للمسار الديمقراطي، لكن ما زالت فكرة الشرعية حاضرة في الوعي العام، وما زال الناس يغضبون حين تُؤجَّل الانتخابات، ويطالبون حين تُصادر إرادتهم. وهذا بحد ذاته رصيد وطني يجب حمايته، لأن أخطر ما قد يحدث لأي شعب ليس تأجيل الانتخابات، بل اعتياده على غيابها.


وفي اليمن، كما وصف الأستاذ الكمالي بدقة، تبدو المأساة أكثر تركيبًا: تعدد سلطات، تضارب شرعيات، جيل كامل لم ير صندوق اقتراع، ومواطن يبحث عن وطن مصغّر يحميه بعدما عجز الوطن الكبير عن احتضانه. تلك ليست أزمة إجراءات، بل أزمة معنى.


لهذا لا أرى فرقًا بين فلسطين واليمن في جوهر المسألة، بل أرى معركتين على جبهة واحدة:

معركة أن يبقى المواطن مواطنًا لا تابعًا،

وأن تبقى الدولة عقدًا عامًا لا غنيمة،

وأن يبقى الصندوق أداة اختيار لا ديكورًا سياسيًا.


أحسن الأستاذ نجيب حين قال إن السؤال نفسه قد يكون علامة صحة. نعم، السؤال مقاومة. أن تسأل: من يحكم؟ كيف يحكم؟ متى ننتخب؟ لماذا تعطلت الدولة؟ هذا يعني أن الوعي لم يمت بعد.

ولهذا فإن اليمن ليس خارج القاموس، بل يمرّ بمرحلة قاسية من الصمت المفروض. والشعوب التي أنجبت حضارات كبرى لا تُمحى من التاريخ بسبب سنوات الحرب، ولا يُلغى حقها في الدولة لأن البنادق علت مؤقتًا على الأصوات.


رسالتي إلى اليمن العزيز: لا تيأسوا من الفكرة. قد تتعطل المؤسسات، وقد تتكاثر الرايات، وقد يطول ليل الفوضى، لكن حق الناس في وطن ودولة وصندوق اقتراع لا يسقط بالتقادم.


ورسالة فلسطين إلى اليمن، واليمن إلى فلسطين، واحدة:

لسنا شعوبًا تطلب المستحيل، نحن فقط نطلب الطبيعي الذي حُرمنا منه طويلًا.

تحية للأستاذ نجيب الكمالي على مقاله الراقي، وعلى قدرته النادرة في تحويل الألم إلى فكر، والمرارة إلى نص يوقظ الضمير. فبعض الكتّاب يكتبون مقالات، وبعضهم يعيدون ترتيب الأسئلة الكبرى. وهو فعل الثانية بامتياز.


م. غسان جابر - فلسطين