حسين علي باهميل
ليس السؤال اليوم: ماذا يريدون؟
بل السؤال الحقيقي: لماذا يظنون أن حقوق المقهورين يمكن أن تسقط؟
منذ عام 67 إلى اليوم، والجنوب يدفع فاتورة ثقيلة من الدم والوجع والإقصاء.
دماء سُفكت، رجال غُيّبوا، أسر شُرّدت، ونخب تم استهدافها لأنها فقط كانت تمثل الوعي والعقل والاتزان.
هذه ليست روايات تُحكى… بل حقائق محفورة في ذاكرة شعب.
فهل يمكن لكل ذلك أن يُمحى بجلسة تصالح؟
وهل تتحول الجرائم إلى “خلافات ماضية” بمجرد أن يتصافح من كانوا سببًا فيها؟
أي تصالح لا يقوم على الاعتراف الصريح، والمحاسبة العادلة، وردّ الحقوق — هو في حقيقته إعادة إنتاج للظلم، ولكن بوجهٍ جديد.
المشكلة ليست فقط في من ارتكب،
بل في من يحاول اليوم أن يقنع الناس أن “الصفحة طُويت”… وكأن الدم لم يُسفك، وكأن المظالم لم تقع، وكأن الضحايا مجرد أرقام يمكن تجاوزها.
الأخطر من ذلك، أن من مارس الإقصاء والتهميش في مراحل سابقة، لا يزال — في نظر كثيرين — يحمل نفس العقلية، وينتظر الفرصة ليكرر ذات الممارسات.
وهنا تكمن العقدة:
كيف يُطلب من شعب أن يثق، دون ضمانات؟
وكيف يُدفع نحو التسامح، دون عدالة؟
لقد تم تدمير مدينة كانت يومًا من أجمل مدن الجزيرة العربية، وميناء كان من أهم الموانئ في المنطقة، ليس فقط بالحرب… بل بسوء الإدارة، وبعقلية لا تؤمن بالدولة ولا بقيمة الإنسان.
تحولت المدنية إلى فوضى، والنظام إلى ارتجال، والكرامة إلى مطلب.
ومع ذلك، يُطلب من الجنوبي أن ينسى!
أن يتجاوز!
أن يسامح… بلا مقابل!
الحقوق لا تسقط.
والدم لا يتحول إلى ماء.
والذاكرة لا تُمحى بقرار سياسي.
لكن الحقيقة المؤلمة هي أن الحقوق قد تُهمّش، وقد تُدفن، إذا لم يكن هناك من يحميها ويطالب بها بوعي وتنظيم، بعيدًا عن الفوضى وردات الفعل.
القضية اليوم ليست انتقامًا،
بل عدالة.
وليست كراهية،
بل كرامة.
ومن يظن أن بإمكانه القفز فوق هذه الحقائق، فهو لا يؤسس لسلام… بل يمهّد لصراع جديد، ربما يكون أشد وأقسى.
في النهاية،
لن يسقط حق وراءه مطالب…
لكن السؤال: هل هناك من سيحمله بصدق، أم سيُترك مرة أخرى ليضيع بين الشعارات؟