آخر تحديث :الثلاثاء-28 أبريل 2026-02:46م

بين "وامعتصماه" وواقعنا المرير.. رحلة من ذرى المجد إلى قاع الانكسار.

الثلاثاء - 28 أبريل 2026 - الساعة 12:38 م
منصور بلعيدي

بقلم: منصور بلعيدي
- ارشيف الكاتب


يقولون إن التاريخ مرآة الشعوب، لكننا حين نحدق في مرآة تاريخنا اليوم، لا نرى إلا وجوهاً غطاها الغبار، وواقعاً بات "موجعاً حد البكاء".

هكذا نستهل سردينا التي لا تقف عند حدود الحكاية، بل تستدعي من الذاكرة زمناً كانت فيه كرامة الإنسان العربي والمسلم خطاً أحمر، تُحرك من أجله الجيوش وتُدك في سبيله الحصون.


*صرخة هزت عرش الخلافة*

الحكاية ليست مجرد نص أدبي، بل هي ملحمة "عمورية" التي خلدها الزمان. تبدأ القصة بمشهد يفيض بالقهر: جندي رومي يدوس بحذائه على عنق امرأة مسلمة، فتطلق صرخة استغاثة عابرة للقارات: *"وامعتصماه!"*

لم تكن الصرخة مجرد نداء لشخص، بل كانت نداءً لمنظومة قيمية ترى في كرامة الفرد كرامة للأمة بأسرها.

نقل أحد التجار الخبر إلى بغداد، وعندما مثل بين يدي الخليفة المعتصم، خنقته العبرة وهو يصف المشهد.

لم يكتفِ المعتصم بالشجب أو الاستنكار، بل انتفض من على كرسيه، قائلاً بلهجة زلزلت أركان القصر: *"لبيكِ يا أختاه"*

*حين سخر الروم وصدق السيف*

سخر الجندي الرومي من استغاثة المرأة قائلاً: *"هل سيأتيكِ المعتصم على ظهر حصان أبلق؟"* (وهو الحصان الذي يختلط فيه البياض بالسواد). لكن الرد لم يتأخر؛ فقد أمر المعتصم بتجهيز جيش عرمرم، واشترط أن يخرج هو شخصياً على ظهر "حصان أبلق" كما سخر الجندي تماماً.


تحدّى الجيش العربي قسوة الشتاء الأوروبي وثلوج عمورية، ورفض المعتصم نصيحة المستشارين بالانتظار حتى ينضج العنب ويحل الصيف ويخرج الروم لجني،الثمار فتفتح المدينة.

بذكاء عسكري وبسالة نادرة، فُتحت أبواب المدينة الحصينة ليلاً، ودارت معركة رهيبة قتل فيها الجيش المسلم من جيش الروم 90 الفاً.

فوصفها الشاعر أبو تمام في رائعته:

*السيف أصدق إنباءً من الكتبِ ... في حدهِ الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ*

*90 الفاً كآساد الشرى نضجت*

*جلودهم قبل نصج التين والعنب. *

لم تنتهِ المعركة بفتح المدينة فحسب، بل بحث المعتصم عن تلك المرأة بنفسه، وأحضر الجندي المعتدي ذليلاً بين يديها، ثم باعه لها "عبداً" بثلاثة دراهم فقط؛ إمعاناً في إذلال المعتدي وإعلاءً لشأن المظلومة.


هنا نتوقف قليلاً لنلقي بظلال تلك الحقبة الذهبية على واقعنا المعاصر.

فالمفارقة مؤلمة؛ ذلك "الماضي التليد" الذي كان فيه القائد ينتفض لامرأة واحدة، يقابله اليوم واقع تضيع فيه كرامة شعوب بأكملها، ولا نجد لنا سلوى سوى التفتيش في صفحات التاريخ من بطون الكتب القديمة.


اما اليوم.. فلم يعد، لنا من سلوى سوى ان نفتش، في، صفحات التاريخ من بطون الكتب القديمة كي نعيش، لحظات من الهناء ولو في، مخيلتنا..

اما ان فكرنا في واقعنا اليوم فانه مؤلم حد البكاء.،،،،،