آخر تحديث :الثلاثاء-28 أبريل 2026-02:39ص

هل تملك موسكو مفاتيح الحل .. هل تقنع واشنطن وتطمئن طهران؟

الإثنين - 27 أبريل 2026 - الساعة 08:21 م
محمد خالد الحسيني

بقلم: محمد خالد الحسيني
- ارشيف الكاتب


في خضم تصاعد التوترات وتشابك المصالح، لم يعد المشهد السياسي بين إيران والولايات المتحدة مجرد خلاف تقليدي، بل تحول إلى ساحة اختبار لقدرة الفاعلين الدوليين على إدارة الأزمات المعقدة.

وبين التصريحات الحادة والتحركات الدبلوماسية المتسارعة، تتغير ملامح الوساطة وتتبدل أدوار اللاعبين.

وهنا يتصدر السؤال حول دور روسيا واجهة المشهد .. هل تمتلك موسكو فعلًا مفاتيح حل الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران، أم أنها تكتفي بإدارة توازناتها دون السعي لحسمها؟

فبين التصعيد المحسوب والجمود التفاوضي، تبدو الأزمة وكأنها عالقة في منطقة رمادية، لا حرب شاملة تلوح في الأفق، ولا تسوية سياسية تقترب بخطى واثقة.

في هذا السياق، تتحرك موسكو بثقلها السياسي، مستفيدة من علاقاتها المتشابكة مع الطرفين، ومحاولة تقديم نفسها كوسيط قادر على تقليص فجوة انعدام الثقة.

لكن هذا الدور يواجه اختبارًا مزدوجًا .. إقناع واشنطن بجدوى الرهان على الوساطة الروسية، وفي الوقت ذاته طمأنة طهران بأن مصالحها الاستراتيجية لن تكون موضع مساومة.

وبين هذين المسارين، تتكشف حدود القوة الروسية، ليس فقط في قدرتها على التأثير، بل في مدى استعداد الأطراف الأخرى للإنصات والمناورة.

تبرز موسكو كلاعب يسعى لملء الفراغ، فمواقف فلاديمير بوتين، التي تميل إلى دعم إيران سياسيًا، تعكس رغبة روسية في تثبيت موقعها كفاعل رئيسي في إدارة الأزمة.

إلا أن هذا الدور لا يخلو من التعقيد، فروسيا، رغم شراكتها مع طهران، لا تنظر بارتياح إلى احتمال امتلاكها سلاحًا نوويًا، لما قد يسببه ذلك من اختلال في التوازن الإقليمي.

هكذا، لا تبدو الإجابة على السؤال المطروح سهلة أو مباشرة، بل تتشكل ضمن توازنات دقيقة، حيث تختلط حسابات النفوذ بالمصالح، وتبقى النتيجة مرهونة بقدرة موسكو على الانتقال من موقع مدير الأزمة إلى صانع الحل.

من يمتلك اليوم القدرة على كسر الجمود بين إيران والولايات المتحدة، وإعادة مسار التفاوض إلى الحياة؟ قد يكون هو ذاته قادر على إنهاء التوتر، والمؤثر الفاعل في المشهد المحتقن.

تصريحات دونالد ترامب الأخيرة، حين أشار إلى أن بإمكان إيران الاتصال مباشرة بأمريكا دون وسطاء، تعكس تحولًا لافتًا في الخطاب السياسي، وكأنها رسالة ضمنية بإسقاط دور الوسطاء التقليديين.

هذا الطرح يفتح الباب للتساؤل حول تراجع أدوار بعض الأطراف التي سعت خلال الفترة الماضية إلى تقريب وجهات النظر، ومن بينها باكستان، التي حاولت لعب دور دبلوماسي في تهدئة التوتر.

في المقابل، يأتي التحرك الدبلوماسي الذي يقوده عباس عراقجي، متنقلًا بين عُمان وروسيا، ليعكس إدراك طهران بأن المشهد التفاوضي يمر بحالة انسداد، وأن إعادة تفعيل القنوات السياسية باتت ضرورة ملحّة. اختيار هذه الوجهات ليس عشوائيًا، بل يعكس بحثًا عن أطراف تمتلك القدرة على التأثير، أو على الأقل كسر حالة الجمود.

هنا يبرز الدور الروسي كلاعب محتمل لإعادة التوازن، فتصريحات فلاديمير بوتين التي أشاد فيها بموقف إيران واعتبرها تدافع عن سيادتها بشجاعة، تحمل دلالات سياسية تتجاوز الدعم المعنوي، نحو تثبيت موقع روسيا كشريك استراتيجي لطهران.

ومع ذلك، فإن هذا الدعم لا يعني بالضرورة توافقًا كاملاً في كل الملفات، خصوصًا فيما يتعلق بامتلاك السلاح النووي، وهو أمر لا يخدم المصالح الروسية على المدى البعيد.

روسيا تجد نفسها اليوم في موقع دقيق .. فهي من جهة استفادت اقتصاديًا من استمرار التوتر، لكنها من جهة أخرى تدرك أن إطالة أمد الصراع قد تفضي إلى تداعيات استراتيجية تهدد استقرار المنطقة وتضعف موقعها كقوة مؤثرة.

اللافت أن روسيا تتحرك ضمن معادلة دقيقة .. فهي استفادت جزئيًا من استمرار التوتر، لكنها أدركت في الوقت ذاته أن إطالة أمد الأزمة قد تنقلب عليها استراتيجيًا.

لذلك، يبدو أنها تميل إلى تبني دور الوسيط القادر على فتح قنوات الحوار، لا سيما في ظل انسداد الأفق بين واشنطن وطهران.

غير أن السؤال الأكثر إلحاحًا يظل قائمًا .. هل تمتلك موسكو القدرة على كسب ثقة الطرفين؟

إقناع الولايات المتحدة يتطلب ضمانات واضحة بشأن البرنامج النووي الإيراني، بينما إقناع إيران يعني التعامل مع خطوطها الحمراء، وعلى رأسها ملف تخصيب اليورانيوم الذي تصر على فصله عن بقية القضايا.

من هذا المنطلق، قد تسعى موسكو إلى لعب دور الوسيط الموثوق القادر على التحدث مع جميع الأطراف.

لكن التحدي الأكبر يكمن في القدرة على بناء الثقة، فهل تستطيع روسيا إقناع واشنطن بأنها قادرة على ضمان عدم سعي إيران لامتلاك سلاح نووي؟

وهل يمكنها في الوقت ذاته إقناع طهران بتقديم تنازلات في ملف معقد مثل تخصيب اليورانيوم، الذي تصر إيران على فصله عن بقية القضايا؟

الواقع يشير إلى أن احتمالات الحرب الشاملة لا تزال محدودة، مقابل سيناريو أكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار حرب الاستنزاف، وهي حالة لا تخدم أيًا من الأطراف، بل تزيد من كلفة الصراع على الجميع، إقليميًا ودوليًا.

في ظل هذا المشهد، تبدو الحاجة ملحة لظهور طرف قادر على إمساك الخيوط وإعادة توجيه المسار نحو الدبلوماسية.

قد تكون روسيا مرشحة لهذا الدور، بالتنسيق مع أطراف مثل عمان، وربما في سياقات أوسع تشمل توازنات دولية أخرى.

لكن نجاح هذا الدور سيبقى مرهونًا بمدى استعداد الأطراف المتنازعة لتقديم تنازلات حقيقية، والانتقال من منطق الشروط إلى منطق الحلول.

المشهد إذن ليس نهاية طريق، بل مرحلة إعادة تموضع، أدوار تتراجع وأخرى تتقدم، ووسط هذا التحول، تحاول روسيا أن تقدم نفسها كحل، لا كجزء من المشكلة.

لكن نجاحها لن يتوقف على رغبتها وحدها، بل على مدى استعداد الأطراف الأخرى للانتقال من منطق التصعيد إلى منطق التسوية.

في النهاية، لا يبدو أن الأزمة وصلت إلى طريق مسدود بقدر ما هي عالقة في لحظة اختبار لإرادات القوى الكبرى، حيث لن يكون الحسم عسكريًا بقدر ما سيكون سياسيًا، إن وُجدت الإرادة.