في عدن، لا يُقاس المكان بمساحته، بل بما يزرعه في روح الإنسان. مدينة لا تُختزل في خرائط، بل تُقرأ
في وجوه ناسها، وفي قدرتها النادرة على تحويل الاختلاف إلى انسجام. هنا، لم يكن التاريخ مجرد حكاية
تُروى، بل تجربة إنسانية حيّة صاغتها قرون من الانفتاح والتلاقي.
كانت عدن أكثر من ميناء؛ كانت بوابةً إلى العالم، ونقطة عبور للثقافات، ومختبراً حقيقياً للتعايش. منذ أقدم
الأزمنة وحتى زمن الوجود البريطاني، ظلّت فضاءً مفتوحاً امتزج فيه الحبشي بالصومالي، والهندي
بالسندي، مع أبناء اليمن القادمين من السهول والسواحل والجبال. لم يكن هذا التنوع عبئاً يوماً، بل كان
مصدر قوة، وهوية حيّة لا تعترف بالتصنيف ولا تنحني لسطوته.
في عدن، لم يكن الإنسان يحمل عبء أصله، ولا يُحاصر بضيق هويته. كانت القاعدة بسيطة وواضحة:
الإنسان أولاً. لم تكن العنصرية جزءاً من لغتها، ولا من سلوك أهلها، بل كانت غريبة عنها تماماً. ولهذا،
ظلّت عدن استثناءً نادراً في المنطقة… مدينة تتسع للجميع دون أن تسألهم: من أنتم؟
ولأن عدن كانت مختلفة، ومدرسةً للإنسانية لقاطنيها، فإن ما كان يحدث خارج حدودها جاء على النقيض
تماماً؛ حيث تتسلل العنصرية أحياناً بوعي، وأحياناً دون إدراك. واستُخدم هذا الإرث تحت ذرائع القبلية أو
التصنيف الاجتماعي.
ومع تعاقب الأحداث، انتقل هذا النقيض المقيت إلى عدن نفسها، ولم يسلم تاريخها الإنساني من التشويه؛ إذ
جرى وصم من يسكنها بصفات مثل "هنود" أو "صوماليين". وهذه ليست مجرد ألفاظ عابرة، بل خطاب
يحمل في طياته إقصاءً متعمداً وعنصريةً صريحة، ويمهّد لإجهاض الحقوق المشروعة.
العنصرية في اليمن لا تصرخ دائماً، لكنها تعمل بصمت. تختبئ في عنجهية القبيلة، وتظهر في نظرة
المجتمع للفئات المهمشة، وتتجلى في الفوارق المناطقية. إنها بنية خفية، لكنها فعّالة، تعيد رسم الحدود بين
الناس، وتُكرّس ظلماً يومياً في الفرص والحقوق.
ولو كانت عدن حاضرةً بإنسانيتها اليوم، لما طفت على السطح تجربة الفنانة التشكيلية أحلام جربان
المأساوية، ذات الأصول الصومالية والحبشية، التي وُلدت وتربّت في صنعاء، لكنها واجهت سلسلة من
الإقصاء والتمييز والتنمر، دفعتها في النهاية إلى مغادرة وطنها بحثاً عن كرامة لم تجدها فيه. قصتها ليست
حالة فردية، بل شهادة حيّة على خلل عميق يطال كثيرين بصمت.
وسط هذا كله، لا تبقى عدن مجرد ذكرى جميلة، بل ينبغي أن تتحول إلى معيار أخلاقي يُقاس عليه
الحاضر. عدن ليست حنيناً إلى الماضي، بل سؤالاً مفتوحاً: كيف خسرنا هذه القدرة على أن نكون بشراً قبل
أن نكون شيئاً آخر؟
ربما لم نعد بحاجة إلى استعادة عدن كمدينة، فهي اليوم أقرب إلى قرية؛ بقدر حاجتنا إلى استعادة معناها…
أن تكون الهوية إنسانية، لا أداة إقصاء.