آخر تحديث :الإثنين-27 أبريل 2026-07:13ص

للتاريخ نايف البكري رجل المتارس والقائد الملهم

الأحد - 26 أبريل 2026 - الساعة 07:32 م
محمد بدر

بقلم: محمد بدر
- ارشيف الكاتب


عندما اجتاحت المليشيات الحوثية عدن في عام ٢٠١٥م، لم يختفِ البكري ولم يساوم. نزل إلى الميدان مع المقاومين من أبناء المدينة. كان في الجبهات، يقاتل ويحشد ويرفع المعنويات. تلك المرحلة صنعت له رصيداً لا يشترى بالمال: رصيد الدم والبارود والثبات.


الناس في لحظات الخطر لا تنسى من وقف معها. ومن هنا بدأت شرعية البكري الشعبية. شرعية لم تأتِ بقرار تعيين، بل انتزعها من بين الركام والدخان. وهذا هو الدرس الأول في القيادة: القائد الحقيقي يظهر وقت الشدة، لا وقت توزيع الغنائم.


*ثانياً: من البندقية إلى ملف البناء*


انتهت معركة التحرير

اشتغل على تطبيع الحياة. فتح المدارس، وأعاد تشغيل المستشفيات، وحاول لم شمل الأجهزة الأمنية. لم تكن المهمة سهلة، والنجاح لم يكن بنسبة مئة بالمئة، لكنه رسخ مبدأ مهماً: مهمة القائد لا تنتهي عند تحرير الأرض، بل تبدأ عند بناء الإنسان والدولة فوقها.


*ثالثاً: الرهان على الشباب والرياضة*


بعد خروجه من موقع المحافظ، اتجه البكري إلى وزارة الشباب والرياضة. البعض رأى في ذلك تراجعاً، لكن الحقيقة أن هذا الملف هو أخطر ملفات اليمن.


بلد أكثر من 70 بالمئة من سكانه شباب، ويعيش حرباً منذ سنوات. هؤلاء الشباب إما أن تحولهم إلى طاقة بناء، أو يتحولون إلى وقود للحرب والضياع. البكري أدرك هذه المعادلة مبكراً.

قام بتأسيس الوزارة من أول وجديد وثم أعاد الحياة للنشاط الرياضي تدريجياً في أصعب الظروف. دعم المنتخبات الوطنية، والمشاركات الخارجية، وأصر على رفع علم اليمن في المحافل الخارجية رغم الحرب. الرسالة كانت واضحة: اليمن حي، وشبابه يستحقون الفرح، والدولة يجب أن تكون حاضرة حتى في الملاعب.


الرياضة عند البكري لم تكن ترفاً، بل كانت أداة لتوحيد الناس. في الملعب لا أحد يسألك من أي محافظة أنت. تشجع الفريق الوطني، وتبكي للهزيمة، وتفرح للنصر. وهذا ما تحتاجه اليمن اليوم: مشروع وطني جامع.


*رابعاً: فن الإدارة في زمن الفوضى*


الإدارة في الوضع الطبيعي صعبة، فكيف في وضع الحرب والانقسام وانهيار الموارد. هنا يظهر فن الإدارة الذي مارسه البكري.


فن الإدارة عنده قام على ثلاث قواعد:


1. *العمل بالمتاح*: لم ينتظر الميزانيات الضخمة التي لن تأتي. اشتغل بالقليل، وفتح الأبواب للشراكة المجتمعية، وحرك المياه الراكدة.

2. *احتواء الجميع*: لم يصنع خصومات مجانية. تعامل مع كل المكونات، وحافظ على خط تواصل مع الكل. لأن المدير الذي يغلق بابه يفشل، حتى لو كان محقاً.

3. *تقديم النموذج*: كان حاضراً في الفعاليات، في الملاعب، بين الشباب. الإدارة عنده ليست توقيع معاملات من خلف مكتب، بل حركة في الميدان.


*الخلاصة: مسار واحد بهدف واحد*


من ينظر إلى مسيرة نايف البكري يظن أنها محطات متفرقة: مقاومة، محافظ، وزير. لكن الحقيقة أن الخيط الذي يجمعها واحد.


في المتارس دافع عن عدن لأنها كانت مهددة بالسقوط. وفي المحافظة حاول أن ينهض بها لأنها كانت مهددة بالفوضى. وفي الوزارة يشتغل على الشباب لأنهم مهددون بالضياع.


الهدف ثابت: حماية الإنسان وبناء الدولة. اختلفت الأدوات من بندقية إلى قرار إداري إلى نشاط رياضي، لكن البوصلة واحدة.


وهذا هو الدرس الأهم في فن القيادة: القائد ليس من يغير مبادئه بتغير المنصب، بل من يغير أدواته ليخدم المبدأ نفسه.


عدن اليوم وكل اليمن بحاجة إلى هذا النوع من الرجال. رجال يبدؤون من المتارس إذا لزم الأمر، ولا يتوقفون إلا عندما يرون الدولة واقفة، والشباب منتجاً، والوطن آمناً.