في ظل واقع يمني معقد ومشحون بالتحديات، تعود جرائم الاغتيال لتفرض نفسها كجرحٍ مفتوح يهدد ما تبقى من الاستقرار، ويقوّض أي محاولات جادة لاستعادة الحياة الطبيعية.
اغتيال القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح، عبد الرحمن عبد الوهاب الشاعر، في مدينة عدن، ليس مجرد حادثة عابرة، بل مؤشر خطير على عودة نمط ممنهج من العنف يستهدف النسيج المدني والسياسي على حد سواء.
الجريمة، التي وقعت بينما كان الشاعر في طريقه إلى عمله كمدير لمدارس أهلية، تعكس استهدافاً مباشراً لقطاع التعليم، وللرموز المدنية التي يُفترض أن تكون بعيدة عن دوائر الصراع.
وهو ما يثير تساؤلات جدية حول الجهات المستفيدة من إعادة إحياء دوامة الاغتيالات، في توقيت حساس تحاول فيه البلاد التقاط أنفاسها.
الإدانات الصادرة عن التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية لم تقتصر على التنديد بالفعل الإجرامي، بل ذهبت أبعد من ذلك، لتضع الإصبع على مكمن الخلل .. هناك تعثر في مسار العدالة.
فملفات الاغتيالات المتراكمة منذ سنوات، بدءاً من اغتيال قيادات محلية بارزة، مروراً باستهداف علماء وخطباء وسياسيين، وصولاً إلى الجريمة الأخيرة .. كل هذه الملفات لا تزال حتى اللحظة دون حسم.
هذا التراخي القضائي أسهم في خلق بيئة يشعر فيها الجناة بأنهم بمنأى عن المحاسبة.
وبالتوازي مع ذلك، تبرز مخاوف من توظيف هذه الأحداث ضمن صراعات أوسع، عبر استهداف مكونات سياسية بعينها أو الدفع باتجاه وصمها بالإرهاب.
مثل هذه المسارات، إن استمرت، لن تؤدي إلا إلى مزيد من التفكك، وكسر في إرادة القوى المناهضة للانهيار.
فمحاولات تفكيك مكونات المشهد السياسي اليمني، عبر استهداف أحزاب بعينها أو الدفع نحو تصنيفها ضمن قوائم الإرهاب.
مثل هذه التوجهات، إن صحت، لا تخدم سوى تعميق الانقسام، وإضعاف ما تبقى من تماسك داخل معسكر القوى الداعمة للدولة.
وعلى الرغم من حدة الخلافات السياسية التي طالما ميزت العلاقة بين القوى السياسية اليمنية، إلا أن اللحظة الراهنة، خطيرة جداً، وتفرض واقعاً مختلفاً.
فالتحديات الوجودية التي تواجه البلاد، من صراع مسلح، إلى مشاريع تقسيم، ودفع بالبلد الى مزيد من الفوضى والعبث، تفرض على الجميع إعادة ترتيب الأولويات، وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية الضيقة.
إن الدفاع اليوم عن أي مكون سياسي لا ينبغي أن يُفهم بوصفه اصطفافاً أيديولوجياً، بل كجزء من معركة أوسع لحماية التعددية السياسية ومنع الانزلاق نحو الإقصاء والفوضى.
فالتجارب القريبة تُظهر أن إضعاف أي طرف غالباً ما يفتح الباب أمام سلسلة من الاستهدافات التي لا تتوقف عند حدود معينة.
فاستهداف طرف معين، غالباً ما يكون مقدمة لاستهداف بقية الأطراف تباعاً، وهذا بعينه هو الاستهداف الحقيقي للوطن جغرافيا وإنسان.
إن حماية التعددية السياسية اليوم لا تعني تبني مواقف الأطراف المختلفة، بل تعني رفض إقصائها قسراً، أو استهدافها بالعنف.
وفي ظل هذا المشهد الوطني المأساوي، لا يمكن إنكار أن الأخطاء السياسية كانت حاضرة لدى مختلف القوى، بما فيها حزب الإصلاح وغيره.
غير أن معالجة هذه الأخطاء لا تكون عبر العنف أو الإقصاء، بل من خلال مراجعات جادة، وحوار وطني شامل، يعيد بناء الثقة ويؤسس لشراكة حقيقية.
المشهد اليوم يتطلب أكثر من مجرد بيانات إدانة، يتطلب إرادة حقيقية لإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، وفي مقدمتها القضاء والأجهزة الأمنية، بما يضمن إنهاء حالة الإفلات من العقاب.
كما يتطلب الأمر وعياً جمعياً بأن استمرار الصراعات البينية، هي من تفتح الباب واسعاً أمام التدخلات الخارجية، وتمنح القوى الساعية لزعزعة استقرار اليمن فرصة لتحقيق أهدافها.
ما يحتاجه اليمن اليوم يتجاوز البيانات، إنه بحاجة إلى تفعيل حقيقي لمؤسسات الدولة، واستعادة ثقة المجتمع.
وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة المُرة أن الوطن هو الخاسر الأكبر من كل هذه الصراعات.
لا تحشروا الوطن في صراعات هو في غنى عنها، الوطن أيها القادة ليس طرفاً في صراعاتكم، بل هو الخاسر الأكبر منها.
وإدراك هذه الحقيقة يشكل نقطة الانطلاق نحو وقف نزيف الدم، والعودة إلى مسار بناء دولة تستوعب الجميع.
اليمن اليوم أمام خيار واضح .. إما التماسك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أو الاستمرار في دوامة الانقسام التي لن تستثني أحداً، وأقول لن تستثني أحداً، بل والانزلاق أكثر في دوامة لن ينجو منها أحد.
يجب تلافي الحقيقة العميقة فيما بيننا كيمنيين قبل فوات الأوان .. إذا هزمنا الأنانية المفرطة التي أوصلتنا إلى حيث وصلنا، فليس بيننا عدو، وليس بيننا إرهابي، ولا متطرف.
إذن يتحتم على الكل أن يخدم مصلحة الكل، لننجوا جميعاً، ويربح الوطن، وأي توجه يعلن تمرده عن هذا المسار مرفوض ومنبوذ ولن يكتب له النجاح، هذا قدرنا الذي يجب ألا نتخلى عنه، قدرنا الذي سننجوا معه وينجوا الوطن.