آخر تحديث :الأحد-10 مايو 2026-08:54م

من مكالمة هاتفية إلى سجون الغياب.. كيف تحولت صحافة اليمن من الجدل إلى الإعدام والتعذيب ؟

السبت - 25 أبريل 2026 - الساعة 03:58 م
نجيب الكمالي

يروي الزميل الصحفي ماجد الداعري قصة مهمة حدثت في عام 2011، حين تلقى أحد الصحفيين في صنعاء اتصالا هاتفيا مباشرا من الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح رحمة الله عليه وكان ذلك في ذروة الاحتجاجات التي شهدتها ساحة التغيير.

لم يكن الاتصال رسميا ، بل كان حديثا مفتوحا بين الرئيس وعدد من الصحفيين المعارضين له. كان فيه عتاب ومزاح ونقاش سياسي حاد، وانتقادات مباشرة. الصحفيون كانوا يعترضون ويقاطعون ويتحدثون عن الاعتقالات والمحاكمات وإغلاق الصحف، بينما كان الرئيس يرد عليهم ويتحدث عن حرية الصحافة وعن إمكانية رحيله من الحكم، معتبرا أن التغيير سنة من سنن الحياة.

بعيدا عن المواقف السياسية من تلك المرحلة، فإن هذه القصة تساعدنا على فهم الفرق الكبير بين علاقة الصحفي بالسلطة في ذلك الوقت، وبين ما يعيشه الصحفي اليوم في مناطق سيطرة الحوثي.

في ذلك الوقت، ورغم وجود التضييق والمحاكمات والضغوط، كانت هناك مساحة للنقاش والاعتراض. كان الصحفي يستطيع أن يكتب وينتقد ويحتج، ويذهب إلى المحكمة وهو يعرف التهمة ويعرف من يواجهه.

أما اليوم، فالوضع مختلف تماما.

الصحفي في مناطق الحوثي لا يملك حتى فرصة السؤال. لا يستطيع أن يعترض علنا، ولا يضمن أن يبقى نقده داخل حدود العمل الصحفي. الكلمة نفسها أصبحت ملفا أمنيا، والخبر العادي قد يتحول إلى تهمة، والرأي المستقل قد يعتبر عداء مباشرا للسلطة.

المشكلة لم تعد فقط في المنع، لأن كل الأنظمة تمارس ضغطا على الإعلام، لكن الفرق الحقيقي هو في طبيعة العلاقة. اليوم، الخوف لا يأتي فقط من الرقابة، بل من الغموض أيضا. لا تعرف من أين تبدأ المشكلة، ولا كيف تنتهي.

ولهذا ظهر ما يسمى بالرقابة المسبقة، حين يبدأ الصحفي بنفسه بحذف كلماته قبل أن يقرأها أي رقيب. يسأل نفسه كل يوم: هل هذه العبارة قد تفهم كاتهام؟ هل هذا العنوان خطر؟ هل هذا الخبر يستحق كل هذه المخاطرة؟

وهنا تتحول الصحافة من مهنة البحث عن الحقيقة، إلى معركة يومية من أجل البقاء.

وفق تقارير محلية ودولية، فإن انتهاكات الحوثيين ضد الصحفيين لم تعد مجرد تضييق أو منع، بل وصلت إلى الاختطاف والاختفاء القسري والتعذيب والمحاكمات الصورية.

تم اختطاف عشرات الصحفيين من منازلهم أو من الشارع، وتم احتجازهم في أماكن سرية دون محاكمات عادلة. وهناك صحفيون تعرضوا للتعذيب داخل السجون، وبعضهم فقد حياته. كما صدرت أحكام بالإعدام أو السجن المؤبد بحق عدد من الصحفيين بتهم مثل التجسس أو نشر أخبار كاذبة.

ولم تتوقف الانتهاكات عند الأفراد فقط، بل شملت أيضا المؤسسات الإعلامية، من خلال إغلاق القنوات والصحف والمراكز الإعلامية، ومصادرة المعدات، ومداهمة المكاتب، وفرض قوانين تستخدم ضد أي صوت مستقل.

الأرقام وحدها تكشف حجم المأساة. عشرات الصحفيين بين سجين ومختطف، وآخرون صدرت بحقهم أحكام قاسية، وبعضهم مات داخل المعتقلات.

قصة الاتصال مع الرئيس السابق رحمة الله عليه لا تعني أن الماضي كان مثاليا، فقد كانت هناك أيضا محاكمات وضغوط وإغلاق للصحف. لكن المقارنة توضح حقيقة مهمة، وهي أن مساحة الاختلاف كانت موجودة، أما اليوم فقد تحولت هذه المساحة إلى سجون غياب وتعذيب وأحكام موت.

الصحفي لا يحتاج إلى سلطة مثالية، بل يحتاج إلى بيئة تسمح له بالقيام بعمله دون خوف دائم.

فالصحافة ليست رفاهية سياسية، بل ضرورة لحماية المجتمع من الكذب، ومن احتكار الحقيقة، ومن ضياع الوعي.

ربما لهذا قال الرئيس السابق رحمة الله تغشاه يومها: قد يأتي من بعدي من يجعلكم تترحمون على عهدي.

قد يختلف الناس في تفسير هذه العبارة، لكن المؤكد أن الزمن أثبت شيئا واحدا، عندما تضيق حرية الكلمة أكثر، يدرك الجميع أن خسارة الصحافة ليست خسارة الصحفي وحده، بل خسارة وطن كامل يبحث عن صوته.