آخر تحديث :السبت-25 أبريل 2026-10:19ص

" جيوب خاوية شَمَّت ولم تَطْعَم" السرد الساخر الناقد عند عبدالله البردوني

الجمعة - 24 أبريل 2026 - الساعة 10:53 م
د.حافظ قاسم القطيبي

بقلم: د.حافظ قاسم القطيبي
- ارشيف الكاتب


يروي الشاعر والمفكر عبدالله البردوني في مذكراته وفي سياق حديثه عن منع الإمام قضاة المحاكم والمسؤولين أخذ الرشوة بأية حيلة، هذه الحكاية الكاشفة:

" كان الاحتيال على الشريعة كثير المداخل .. كان بعض شيوخ العلم يزاولون المضاربة التجارية، أو يتعاملون ببيع الجملة، وحين ينتهي العام يتوجب على المال التجاري إذا بلغ النصاب دفع الزكوات.. وكان أحد شيوخنا في الفقه يفرحنا ويعلمنا ندخل عليه الديوان، ونرى صفوف الريالات الفضية أمامه، ولا يتأخر عن إسعادنا فيدور على الحلقة من الطلاب معطياً هذا أربعين ريالاً، وهذا ثلاثين إلى العشرة، وقبل أن نضعها في جيوبنا يسرد لنا قصة تجارته بأنها تكونت من تركة الأبوين، أو من بيع أموال زراعية، ثم يقص لنا فجور التجار الذين يشحون بعطاء الأرباح كاملة، إما لكساد السوق وإما لإغلاق الطرق التجارية بفعل الحرب العالمية، وينبهنا بقوله : ظهر هذا ؟!

وكأنه يشرح لنا مسألة فقهية، ثم يكشف عن ثقته بنا، وأن بعضنا أغنى منه، ويكشف اللثام عن الحيلة بقوله: والآن هل قبلتم مني هذه الزكاة؟

فنقول: نعم.

فيقول شبه ضاحك: والآن انذروا لي بما حصلتم عليه. فنتسابق على رد ما أخذنا عن طريق النذر، فيرى براءة ذمته واسترجاع ما فقد معاً، ونخرج من داره بجيوب خاوية شَمَّتْ ولم تَطْعَم، وفي ظاهر الأمر يبدو مزكياً مسترجعاً ما دفع .."

تمثل هذه الحكاية نصًا بالغ الكثافة من حيث دلالاته الاجتماعية والشرعية، وتكشف بعمق آلية اشتغال السخرية النقدية عند البردوني. فالنص يبني مشهداً تتقاطع فيه السلطة الدينية مع المصلحة الاقتصادية، ليكشف عن نمط من "التديّن الشكلي" الذي يحافظ على الصورة ويُفرغ المضمون.

يظهر الشيخ في الحكاية واعظاً ناصحاً، يندد بـ"فجور التجار" وتقصيرهم، لكنه—في مفارقة لافتة—يمارس حيلة لا تقل التفافاً عمّا ينتقده. إذ يهيّئ المشهد تربوياً وفقهياً، فيسرد مبرراته بلغة أقرب إلى تقرير المسائل، ثم ينتزع من طلابه إقراراً بقبول الزكاة، ليحوّل هذا الإقرار إلى أداة لاسترجاع المال عبر "النذر". هكذا تتحول العملية كلها إلى مسرح دقيق: فعلٌ يستوفي شروطه الظاهرة، لكنه ينقض مقصده في النتيجة.

السخرية هنا قائمة على المفارقة بين الفعل ومآله، بين الخطاب والممارسة، بين التعليم والتلقين من جهة، وإعادة إنتاج الحيلة من جهة أخرى. ومن خلال هذا التوتر، ينجح البردوني في تعرية نموذج خطِر: نموذج القدوة التي تُعلّم—ضمنياً—كيف يُلتف على القيم بدل الالتزام بها.

ولا تقف دلالة الحكاية عند حدود النقد الديني، وإنما تمتد لتلامس البنية الأوسع للسلطة. فإذا كان "رجل الدين" يبرع في شرعنة الحيلة داخل الحقل الفقهي، فإن "رجل السلطة"—بالضرورة—سيجد في هذا المنطق ما يبرر به أشكالاً أكثر تعقيدا من التحايل، سواء في الجبايات أو في تبرير الفساد. بذلك يرسم البردوني خطاً خفياً يصل بين التأويل الفقهي الملتبس والظلم الاجتماعي الصريح.

في هذا السياق تكتسب عبارة "شَمَّتْ ولم تَطْعَم" بعداً يتجاوز الحكاية لتغدو

توصيفاً دقيقاً لحالة إنسانية ممتدة؛ حالة المواطن اليمني الذي يرى حقه ماثلاً أمامه، ثم يُسلب منه بآليات ناعمة وذكية. إنها صورة تختزن عبء التاريخ وذاكرة الجيوب الخاوية، إذ تتكرر التجربة ذاتها عبر الزمن..

إنها حالة "التجربة الناقصة" التي يعيشها الفرد في مواجهة سلطة تتقن إدارة المظاهر وتحتفظ بالجوهر لنفسها.

من هنا يمكن القول إن البردوني لا يروي حكاية بقدر ما يقدّم تشخيصاً ثقافياً لآلية إنتاج الفساد: فالمشكلة لا تبدأ من شحّ الموارد، وإنما من تلك الحِيَل التي تُفرغ القيم من مضمونها، وتحوّل الحقوق إلى مجرد "رائحة" تُشم ولا تُذاق. وفي هذا المعنى تغدو السخرية عنده