جاكلين أحمد
ما حدث مع الطبيبة اليمنية التي خرجت في مقطع فيديو تطالب فيه بتوفير المستلزمات الطبية لمستشفى قريتها، ليس مجرد جدل عابر حول مظهر امرأة، بل هو مشهد مكثف يكشف عن خلل عميق في البنية الثقافية والاجتماعية، وعن أزمة أولويات ووعي وضمير جمعي.
هذه الحادثة تصلح أن تكون نموذجًا لفهم كيف يفكر المجتمع، وكيف تُدار مشاعره، وكيف تُوجه بوصلته الأخلاقية بعيدًا عن جوهر القضايا إلى قشورها.
خرجت الطبيبة لتقول:
هناك مستشفى بلا محاليل، ومرضى بلا علاج، وحاجة ملحة لتوفير أبسط مقومات الرعاية الصحية.
لكن المجتمع لم يسمع هذه الجملة.
ما سمعه كان:
امرأة بلا عباية، خصلات شعر ظاهرة، ابتسامة حاضرة.
هذا الانتقال من جوهر الرسالة إلى سطح الجسد ليس صدفة، بل هو نتيجة تراكم طويل لثقافة تحمل جسد المرأة معنى أخلاقيًا أكبر من أي قضية عامة. تربط الفضيلة بالمظهر، لا بالفعل. تُقدم “الانضباط الشكلي” على “المسؤولية الإنسانية”.
وهكذا، يصبح ظهور شعرة واحدة أكثر استفزازًا من غياب دواء ينقذ حياة إنسان.
ويجعل من المرأة "ساحة صراع" لا فاعل اجتماعي
في كثير من المجتمعات التي تقدم نفسها كمجتمعات محافظة، لا تُرى المرأة كفرد مستقل يحمل عقلًا ورسالة، بل كـ"رمز" يُحمَّل فوق طاقته، رمز للشرف، للهوية، للتدين، للتقاليد…
لذلك، حين تظهر امرأة في الفضاء العام، لا تُستقبل كطبيبة أو باحثة أو ناشطة، بل كـ"اختبار" لمستوى التزام المجتمع بمعاييره الشكلية. وفي حالة الطبيبة لم تُعامل كطبيبة تحمل هما صحيًا، بل كـ"امرأة خرجت عن النص" في نظر البعض، لمجرد أن مظهرها لم يطابق الصورة النمطية المتوقعة بالنسبة للمجتمع المحافظ كما يسمي نفسه. وهنا يظهر الخلل، فالمجتمع لا يزال يرى المرأة موضوعًا للحكم أكثر من كونها فاعلًا في التغيير.
جزء كبير من الهجوم على الطبيبة جاء تحت لافتة “الغيرة على الدين” و“الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”. لكن ما حدث في العمق هو تديين العادات جعل العرف الاجتماعي معيارًا دينيًا. وتسييس الأخلاق استخدام لغة الحلال والحرام لتكميم أي صوت مختلف أو مزعج للسلطة أو للسائد.
في حين أن جوهر الدين؛ في قيمه الكبر؛ ينحاز إلى،إنقاذ النفس ، رفع الظلم ،نصرة المظلوم، الأمر بالعدل.
لكن ما جرى هو العكس تمامًا، تم تجاهل قيمة إنقاذ الأرواح، لصالح التركيز على شكل اللباس وطريقة الابتسام.
و توجيه الغضب الشعبي… من الفساد إلى الفرد
من أخطر ما تكشفه هذه الحادثة هو سهولة توجيه الغضب الشعبي.
بدل أن يُطرح السؤال: أين وزارة الصحة؟
أين ميزانية المستشفى؟
من المسؤول عن نقص المحاليل؟
تم استبدال هذه الأسئلة بسؤال واحد سهل وسطحي:
لماذا ظهرت الطبيبة بهذا الشكل؟
وهذا التحويل ليس بريئًا؛ لأنه يُفرغ الغضب من محتواه السياسي والاجتماعي. ويحوله إلى هجوم أخلاقي على فرد، بدلًا من أن يكون مساءلة حقيقية لمنظومة كاملة.
بهذا الشكل، يصبح المجتمع شريكًا؛ دون أن يدري؛ في حماية الفساد، لأنه يهاجم من يطالب بحقه، ويترك من سلب هذا الحق.
حيث يُقدم “شكل المرأة” على “حياة المريض”.
و لا يرى أن صوت الطبيبة كان دفاعًا عن المجتمع نفسه، لا عن مصلحتها الشخصية.
فيصبح الهجوم على امرأة أسهل من مواجهة مسؤول فاسد أو نظام عاجز.
هذا النوع من التفاعل يعكس مجتمعًا يهرب من مواجهة مشكلاته الحقيقية.
ويبحث عن “كبش فداء” يسكب عليه غضبه، حتى لو كان هذا الكبش هو من يدافع عنه.
حيث تُنقل الأحكام الجاهزة دون تفكير، ويُعاد إنتاج نفس الخطاب الذي يحاكم المرأة ويبرئ المنظومة.
و يخشى الناس من الخروج عن رأي القطيع، فينضمون إلى الهجوم حتى لا يُهاجَموا هم.
رغم كل شيء… و مع كل ما تعرضت له الطبيبة من هجوم، يبقى ظهورها شجاعة فردية في وجه صمت جماعي. و محاولة لاستعادة المعنى الحقيقي للمسؤولية المهنية والإنسانية.
و صفعة على وجه الوعي الزائف الذي يقدس الشكل وينسى الإنسان.
وربما، على المدى البعيد، تكون هذه الحادثة نقطة بداية لطرح أسئلة أعمق:
- لماذا نُحاكم من يطالب بحقوقنا؟
- ولماذا نُسكت صوت المرأة حين يكون في صفنا؟
- ولماذا نرتاح لمهاجمة الأفراد أكثر من مواجهة الأنظمة؟
حادثة الطبيبة ليست مجرد قصة عن امرأة هوجمت بسبب مظهرها، بل هي قصة عن مجتمع يهرب من مواجهة أزماته الحقيقية. وبنية ثقافية تُعيد إنتاج الظلم باسم الأخلاق. وعقل جمعي يحتاج إلى إعادة ترتيب أولوياته، من مراقبة النساء إلى مراقبة الفساد، ومن محاكمة الأفراد إلى محاسبة المسؤولين.
إن أول خطوة نحو التغيير هي أن نعترف بأن المشكلة ليست في خصلات شعر ظهرت، بل في عقول أُغلقت عن رؤية ما هو أهم، حياة الإنسان، وكرامته، وحقه في العلاج، وحقه في أن يجد من يدافع عنه… لا من يُسكت صوته.