آخر تحديث :الثلاثاء-21 أبريل 2026-01:19م

إيران تفتح باب الحوار .. وتغلق باب الثقة بأمريكا

الثلاثاء - 21 أبريل 2026 - الساعة 11:02 ص
محمد خالد الحسيني

بقلم: محمد خالد الحسيني
- ارشيف الكاتب


لم يعد الحديث اليوم عن خلاف عابر قابل للاحتواء، أو كافي لفهم ما يجري، نحن أمام مشهد أكثر تعقيدًا، حيث تتقاطع القوة مع الصبر، وتتشابك السياسة مع حسابات الهيبة. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن وبإلحاح: هل تتجه إيران إلى إسلام آباد؟ هل ستستأنف محادثاتها مع أمريكا؟ أم أن الطريق إلى المفاوضات لا يزال مليئًا بما يكفي من العوائق لإفشاله قبل أن يبدأ؟

إيران من موقفها، لا تغلق باب الدبلوماسية، لكنها ترفض أن تعبره مقيّدة، اعتراضها ليس على مبدأ التفاوض، بل على شكله كما يُطرح اليوم.

كيف يمكن الحديث عن حوار في ظل استمرار أدوات الضغط؟ وكيف تُبنى الثقة بينما تُستخدم العقوبات وكأنها بديل عن التفاوض لا مرافقة له؟

من هذا المنظور، ترى طهران أن أي مفاوضات تحت هذه الشروط ليست سوى محاولة لإعادة صياغة الاستسلام بلغة سياسية.

في المقابل، تتبنى الولايات المتحدة، بقيادة دونالد ترامب، مقاربة مختلفة جذريًا، وهنا تحديداً، تنظر أمريكا إلى الضغط بوصفه أداة إنتاج للحلول، لا عائقًا أمامها، الرهان الأمريكي واضح: تكثيف الضغوط سيؤدي، عاجلًا أم آجلًا، إلى انتزاع تنازلات.

غير أن هذا التصور يصطدم بواقع أثبت نفسه مرارًا، إيران ليست خصمًا بلا أوراق، بل لاعب يجيد إدارة الوقت، ويمارس ما يمكن تسميته بالصمود التكتيكي.

وبين هذين المنهجين، تبرز باكستان بمهمة معقدة وصعبة جداً، ومسؤولية ليست سهلة بتاتاً، كوسيط جاد يحاول تفادي الانفجار قبل وقوعه.

تحركاتها لا تبدو شكلية؛ بل تعكس محاولة جدية لكسر الجمود وفتح نافذة للحوار، وقد نجحت بالفعل في انتزاع إشارات إيجابية من طهران، وصلت حد إبداء الاستعداد للمفاوضات وتهيئة بعض شروطها الأولية. لكن العقدة لم تكن هنا، بل في الطرف الآخر، حيث بقيت الشروط الأمريكية ثابتة، وكأن الحراك الدبلوماسي لم يغيّر شيئًا في قواعد اللعبة.

إذًا، بتقديري الخاص، المشهد ليس انسدادًا كاملًا، لكنه أيضًا ليس انفراجًا، هو حالة معلّقة بين احتمالين .. تقدم حذر أو انهيار مفاجئ.

هكذا يتشكل المشهد اليوم .. ومع ذلك، تبدو إيران أقرب إلى خيار الذهاب، لا بدافع الثقة، بل بدافع اختبار المسار ذاته، فهي تدرك أن الغياب قد يُفسَّر كتعطيل، بينما يمنحها الحضور مساحة أوسع للمناورة السياسية وإعادة التموضع.

فهل ستتجه إيران إلى إسلام آباد؟ باعتقادي ستتجه، فإيران تؤمن بالدبلوماسية .. لكنها فقط لا تثق بواشنطن.

وهذا الحضور، إن حدث، لن يكون تنازلًا بقدر ما هو تكتيك .. بقدر ما هو تموضع جديد داخل ساحة الصراع الدبلوماسي، يتيح لإيران أن تظهر بمظهر المنفتح دون أن تدفع ثمنًا سياسيًا مباشرًا.

فهي على ما يبدو لا تسعى إلى الحرب، لكنها في الوقت نفسه ترفض سلامًا يُفرض عليها بشروط غير متكافئة.

لكن، العقدة الأعمق، على ما يبدو لا تكمن في النوايا المعلنة، بل في غياب الإجراءات الحقيقية لبناء الثقة بين الطرفين .. لا يمكن لأي مسار تفاوضي أن ينجح إذا استمرت أدوات الضغط، من عقوبات وتهديدات، بالوتيرة ذاتها، في هذه الحالة، تتحول المفاوضات إلى امتداد للصراع، لا وسيلة لإنهائه.

في المحصلة، نحن أمام معادلة غير مستقرة لكنها لم تُغلق بعد، وإذا استمر الوضع كما هو، ضغط بلا مرونة من طرف، ومقاومة بلا ثقة من طرف آخر، فأرى أن السيناريو الأرجح لن يكون انفجارًا مباشرًا، بل استمرار حالة اللا حسم: مفاوضات ستبدأ نعم، لكن دون أن تنضج، وضغوط ستتواصل لكن دون أن تحسم.

وهذه المنطقة الرمادية قد تكون الأخطر، لأنها تُبقي كل الاحتمالات مفتوحة، دون قواعد واضحة تضبط مسارها أو تحدّ من انزلاقها.