تتقدم إيران اليوم إلى التفاوض مع الأمريكيين، مستندة إلى ثلاثة عقود من المفاوضات المتقطعة مع الأمريكيين والأوروبيين، وكذلك مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وتحمل إيران إرثًا تفاوضيًا ثابتًا لا تتغير بنيته بتغير السياسات أو الأحداث، إذ يعتمد موقفها على استراتيجية التفاوض بالمواقف، مع فصل المسار التفاوضي عن أي معطيات سياسية أو اقتصادية أو حتى عسكرية يمكن أن تؤثر على قناعاتها التفاوضية.
وقد منحها هذا النهج قدرة على فرض معادلات دفعت الأطراف الأخرى، في كثير من الأحيان، إلى القبول بحلول مرحلية أو مؤقتة توازن بين متطلبات المجتمع الدولي وما تريده إيران. كما أسهم ذلك في بطء المفاوضات وتقطعها، ومنح إيران الوقت الكافي لتعزيز قدراتها، خصوصًا في المجال العسكري، بحيث أصبحت مصدر تهديد دائم في المنطقة، يصعب تجاوزه بحرب سريعة أو بعقوبات اقتصادية، أو حتى بالمراهنة على تفكيكها من الداخل.
وعلى الرغم من كلفة الحرب الحالية، وما يحيط بالنظام الإيراني من ضغوط واسعة، إلا أنه لا يزال يؤكد التزامه بمواقفه التفاوضية السابقة، إدراكًا منه أن جوهر بقائه يقوم على الدعاية الإعلامية ذات الطابع العقائدي، والتي ترتكز على سياسة ثبات المواقف، حتى وإن اتسمت ممارساته الواقعية بقدر من المرونة غير المعلنة. فالتراجع عن هذه العقيدة يشكل كلفة سياسية ومعنوية عالية.
كما تدرك إيران أنها تحمل التزامًا أخلاقيًا – وفق خطابها – تجاه شعبها وتجاه حلفائها وأذرعها، وهو التزام يتحول إلى عبء فعلي في حال التراجع عنه. فجزء من قوة النظام يكمن في هذه العقيدة الدعائية التي تشكلت من خلالها محاوره القتالية خارج إيران. ومن هنا، تؤكد على مبدأ “وحدة الساحات”، ليس فقط في الجانب القتالي، بل في الجانب التفاوضي أيضًا، من خلال السعي لفرض ضمانات بعدم المساس بحلفائها وأذرعها.
ويُعد هذا التوجه ورقة تفاوضية مهمة تحافظ على النفس المعنوي والقتالي لدى أتباعها، بعيدًا عن حسابات الكلفة والخسارة. وفي المقابل، دفع هذا التشدد الولايات المتحدة إلى تبني خطاب يقوم على تجاوز الخطوط الحمراء، واستخدام لغة التهديد باستهداف البنية الاقتصادية الإيرانية، باعتبارها وسيلة للضغط وكسر آلية التفاوض الإيرانية.
تُجيد إيران إدارة مسارات التفاوض وفق استراتيجية كسب الوقت، وهي اليوم أقل اكتراثًا بالإنذارات الأمريكية، وأكثر ثقة بأن أي مسار تفاوضي لا يمكن أن يقوم على فرض هزيمة كاملة عليها. وقد منحتها الهدن المؤقتة مساحة لإعادة ترتيب أولوياتها، بحيث تتحول المفاوضات من البحث في مسببات الحرب إلى التعامل مع نتائجها.
وبهذا، تسعى إيران إلى إعادة توجيه مسار التفاوض نحو قضايا مثل مضيق هرمز، وتأثير الحصار على الاقتصاد الدولي، واحتمالات حدوث متغيرات دولية قد تفرض على الولايات المتحدة مراجعة خياراتها. كما تجيد ربط الملفات ببعضها للخروج بتفاهمات مؤقتة تعيد تشكيل مسار التفاوض، وتمنح الخصم انطباعًا بتحقيق مكاسب، في حين تنجح هي في تجميد القضايا الأساسية.
وفي هذا السياق، تحرص إيران على ضمان بقاء برنامجها النووي، ولو تحت إشراف دولي، بما يتيح لها إمكانية تطويره لاحقًا، كما تركز على ضمان استمرارية النظام السياسي، ومنع أي مسار تفاوضي قد يؤدي إلى تقويضه أو المساس ببنيته.
ويبقى السؤال:
هل تنجح المفاوضات في إعادة إنتاج النظام الإيراني، وضمان استمراريته، رغم حجم الخسائر والتحديات؟
ودمتم بخير