ليس الأدب في جوهره سوى مرآةٍ كاشفةٍ لروح الشعوب ومرصدٍ دقيقٍ لآلامها وتحوّلاتها العميقة.
إن المتأمل في الأدب اليمني بشقّيه الشعبي والفصيح - رغم ندرته وتشتّته بين المدوَّن والشفاهي - ليدرك سريعا أنه يقف أمام حالةٍ استثنائية!
حيث تتعدد الأشكال وتتنوع القوالب ما بين الشعر الفصيح إلى الغنائي، ومابين الزامل إلى البالة، ومابين الحميني إلى الصوفي، مرورًا بالأهازيج والتواشيح وفنون المواسم بـ "غِنِّيّاتها" ذات الطابع الشعبي.
تلك الفنون جميعاً تكاد تتقاطع عند نغمةٍ واحدة وتلتقي حول محورٍ يكاد يحتكر وجدانها ويوحد تجاربها.
إنه محور الغربة!
الغربة بما تحمله من معاني الاغتراب والهجرة والغياب والتغييب والبعد والسفر.
فليست مجرد موضوعٍ عابرٍ في الأدب اليمني بل متلازمةٌ تاريخيةٌ وُجدت منذ مطلع القرن الرابع الهجري كـ ثمنٍ لـ "الإمامة" في جانب واحدٍ يدفعه اليمنيون عبر القرون.
ذلك القرن الذي يعتبر محطة تحولٍ كبيرٍ نحو "الأسوأ" في تاريخ اليمن واليمنيين وذلك نتيجة مقدم المدعو "يحي بن الحسين الرسي" نهاية القرن الثالث الهجري إلى اليمن بمشروعه الخاص المتمثل في استحداث "دويلة" مبنية على فكرة: "أنا خير منه" وبرسالة: "لأغوينهم أجمعين".
تأسست تلك الدويلة بـ اليمن وتحت شعار: "الولاية" وبـ نظرية: "قاتل بمن معك من خالفك".
وبذلك دخلت اليمن حقباً سوداء، خلالها شُلّت الحياة في جوانبها الاقتصادية والثقافية واغتِيل العقل وطُمرت يناييع المعرفة وجُهّل المجتمع وأُصِّل للخرافة و حكمت نظرية "قاتل بمن معك من خالفك" عبر سلطات الدولة والدين والعرف.
ومنذ ذلك التاريخ ونتيجة لذلك التحول إنطلقت جموع اليمنيين في موجات هجرات جماعية طلبا للنجاة وسعيا وراء ستر الحال وبحثا عن فرصٍ أرحب للحياة.
وبهذا لم تكن الهجرة خياراً ثقافياً أو ترفاً إنسانياً لدى اليمنيين، بل كانت استجابةً قسريةً لواقع سياسي واجتماعي واقتصادي ليس ضاغطاً فحسب بل فاسداً وقاتلاً في نفس الوقت.
تلك الهجرة المتوارثة وذلك الاغتراب المتراكم كانا وما زالا يمثلان رحلة نأيٍ ذات أثمانٍ قاسية.
فالمغترب لا يغادر المكان فقط بل يترك خلفه عالماً كاملاً ما بين: أُمٍّ ينهشها الانتظار وأبٍ يثقله الصمت وزوجةٍ تعيش على أمل العودة وأطفالٍ يكبرون في ظل الغياب ناهيك عن القلوب المتعلقة بالأحلام المؤجلة.
ومن هنا لم يكن الأدب اليمني إلا صدىً حياً لهذا النزف الإنساني؛ ولهذا الجرح المستديم الذي تتوزع في ثناياه حُرَقُ اللوعات والأحزان وتتفجّر بسببه أنهارٌ من الأسى وشلالاتٌ من الأشجان.
ففي تلك النصوص نسمع أنين البعد ونلمس حرارة الشوق ونقرأ الرسائل التي تهزّ القلوب والتي تفيض بصدق المكابدة.
هناك حيث تتكثف المشاعر حتى تكاد تُرى وتتحول الكلمات إلى دموعٍ ناطقة والحنين إلى حالةٍ جمعيةٍ تتقاسمها الأرواح.
إنّه أدبٌ لا يكتفي بالسرد.
بل يصرخ! ويئن! ويبوح! بما تعجز عنه الحياة اليومية.
وقد مارست الإمامة في حق اليمييين لوناً أكثر قسوةً وأشد بشاعةً من الاغتراب - لم يعرفه غيرهم من البشر البتة! - تمثّل في ظاهرة "الرهائن" التي شكّلت الصفحة الأحلك والأكثر سوداوية في صفحات التاريخ الاجتماعي.
لقد كان ذلك الشكل من التغييب القسري تمزيقاً مباشرا لنسيج الأسرة واغتيالًا بطيئاً للأمل وتعذيبا نفسيًا ممتداً يفتك بالأفراد والمجتمع على حدّ سواء.
وعندما بزغ فجر ثورتي سبتمبر وأكتوبر تعلّقت آمال اليمنيين بإمكانية الخلاص من هذه المآسي المركّبة.
وقد تحقق بالفعل إنجازٌ بالغ الأهمية تمثّل في إنهاء كابوس الرهائن وإعادة الاعتبار للإنسان اليمني وكرامته.
وانتصرت العدالة والمساواة وانتُزعت الحرية وأُعتق اليمني وانفك من الأغلال.
و قد كان ذلك التحوّل بمثابة عودة اليمني إلى الحياة بعد عبوديةٍ واختناقٍ داما طويلاً.
لكن ورغم هذا التحوّل ظلّت الغربة قائمةً وملازمةً!
فلم تختفِ بل تغيّرت أشكالها واستمر حضورها كـ آفةٍ ملازمةٍ متنقلة.
فما زال اليمني حتى وهو في وطنه ما زال معلّقاً بين مكانين: "مكانٍ يعيش فيه والآخر يسكنه".!
وهنا تتجلّى المفارقة المؤلمة وهي:
أن يتحوّل الوطن في وجدان أبنائه إلى "محطة مؤقتة"!
وأن تغدو الغربة "وطناً آخر" لا يُرى! لكنه يُعاش بكل تفاصيله!.
أخيراً: لاشك أن "الإمامة" باليمن هي من أنتجت الاغتراب، وعلى العرب إدراك المرض لا التركيز على أعراضه!
ويبقى السؤال:
أكو عرب؟!