حين يتوقف المواطن في عدن أمام محطة الوقود، لا يتبادر إلى ذهنه سوى ثمن اللترات التي تضمن له استمرار حركته. لكن الحقيقة المرة هي أن هذا السعر ليس مجرد قيمة لسلعة؛ بل هو طبقات متراكمة من الجبايات الخفية، التي تنساب عبر مسارات مالية موازية، بعيداً عن أعين الرقابة وشرايين الموازنة العامة.
القصة لا تبدأ بـ "صندوق صيانة الطرق والجسور"، بل تنتهي عنده كواحد من أبرز تجليات "اقتصاد الصناديق". ذلك النموذج الذي نما في شقوق الدولة الضعيفة، ليتحول تدريجياً من أداة مساعدة إلى بديل مؤسسي يلتهم الموارد ويتحكم في مصير الخدمات الأساسية.
الإطار القانوني: إيرادات سيادية بقرار التأسيس
يستند الصندوق في عمله إلى القوانين النافذة، وعلى رأسها القانون رقم (22) لسنة 1995م وتعديلاته، الذي أنشأ الصندوق كشخصية اعتبارية تتمتع باستقلال مالي وإداري. ومع نقل المركز الرئيسي للصندوق إلى العاصمة المؤقتة عدن، وإعادة تفعيل موارده بقرارات حكومية (كان آخرها تكليف قيادة جديدة في يوليو 2025)، أصبح الصندوق هو المسؤول الأول عن استعادة السيطرة على الموارد المالية المخصصة لإنقاذ البنية التحتية المتهالكة في المحافظات المحررة.
ووفقاً للائحة التنفيذية للقانون، فإن الحصة المفروضة لصالح الصندوق تبلغ 5% من قيمة كل لتر من مبيعات البنزين والديزل، تُضاف ضمن "هيكلة تكلفة الوقود" التي تبيعها شركة النفط للمستهلك، ويُفترض توريدها مباشرة إلى حساب الصندوق في البنك المركزي.
لغة الأرقام الصادمة: عشرات المليارات سنويا!
وحتى لا نغرق في التخمينات، لنعتمد لغة الأرقام المتحفظة التي تكشف حجم الفجوة: بناءً على التقارير المتاحة والمؤشرات الصادرة عن شركة النفط اليمنية في عدن والمنظمات الدولية (مثل ACAPS واليونيسف) خلال عامي 2025 و2026، فإن السوق المحلية في عدن والمناطق المجاورة تستهلك ما يعادل 5.8 مليون لتر من الوقود يومياً.
وبعد اخراج كمية القود المنتجه محليا والتي لاتشملها الجبايات، فان نسبة ما يحصل عليه الصندوق سنويا 26757500 دولار،
سته وعشرين مليون وسبعمائة وسبعه وخمسين الف وخمسمائة دولار امريكي تأخذ كجبايات منتظمة لصالح صندوق الطرق والجسور.
هذا المبلغ الضخم يُجبى من قطاع واحد فقط، وفي رقعة جغرافية واحدة، بينما تظل طرقنا شاهدة على الخراب، ومشروعات الصندوق مجرد خطط متعثرة أو "ترقيعات" لا ترقى لمستوى المليارات التي تتدفق إلى خزائنه شهرياً.
هنا لا يعود السؤال: "كم ندفع؟"
بل يصبح: أين تذهب كل هذه الأموال؟ ومن له حق صرفها؟ وهل يملك القائمون على الصندوق فعلاً القدرة أو الحصانة من المساءلة؟
الاقتصاد الموازي: دولة داخل الدولة
لقد أفرزت سنوات الحرب نموذجاً إدارياً مشوهاً يمكن تسميته بـ "الإدارة بالوكالة". صناديق تمتلك موارد سيادية (رسوم وقود، رسوم موازين محورية، منح دولية مثل UNOPS)، تعمل باستقلال شبه كامل، ولا تخضع إلا لرقابة صورية. ومع غياب الدور التشريعي والرقابي، تحول "الاقتصاد الموازي" إلى منظومة تتحرك فيها الأموال خارج الإطار الرسمي، بينما تظل الدولة مجرد هيكل هش في المواجهة.
والأخطر أن هذا النموذج بات "قاعدة" لا استثناءً. فبينما يُفترض بالصندوق أن يكون المسؤول الأول عن الصيانة، نجد أن المشاريع الحقيقية غالباً ما تُنفذ بتمويل دولي، فوفقاً لتقارير الأمم المتحدة فقد قامت المنظمات التابعة لها بإعادة تأهيل وسفلتة حوالي 240 كم في مدينة عدن. كما وقع الصندوق اتفاقية استراتيجية مع الصندوق السعودي لإعادة الإعمار، يقوم بموجبها الأخير بتأهيل الطرقات في مدينة عدن. كما أن هناك مبادرات مجتمعية لا بد من تسليط الضوء عليها، وهنا تبرز أسماء مثل ناصر عبدربه منصور، الذي تكفل بصيانة طريق (أبين-مودية) الدولي الذي يبلغ طوله حوالي 120 كم على نفقته، في مبادرة تستحق الإشادة والتحية بقدر ما تثير من تساؤلات حول غياب دور المؤسسات الرسمية رغم امتلاكها الموارد.
وحتى لا نظلم الصندوق، فإن المشروع الذي حاول تنفيذه هو إعادة سفلتة طريق (عدن-أبين)، وهو ما يزال متعثراً منذ سنوات، بالإضافة إلى طريق (جولة الرحاب-المجاري- العلم)، وهي مشاريع لا تتناسب إطلاقاً مع حجم الإيراد المهول.
فجوة الأرقام وتآكل الثقة
عند إجراء مراجعة حسابية شفافة لحجم الإيرادات منذ سنوات مقارنة بما تم تنفيذه، سنجد فجوة ساحقة في الأرقام. يحدث هذا الغياب للشفافية في وقت يرتفع فيه مستوى الفقر إلى مستويات قياسية، وتغيب الخدمات الأساسية، مما يترك أثراً مدمراً على الاستقرار الاجتماعي والنفسي للمواطن.
هذا الخلل ليس مالياً فحسب، بل هو خلل في بنية العقد الاجتماعي؛ فالمواطن الذي يدفع في كل تفاصيل حياته لا يرى انعكاساً لما يدفعه. ومع كل حفرة في طريق متهالك، تتعمق قناعة صامتة بأننا أمام نظام يُجيد "الأخذ" باحترافية، ويفشل في "العطاء" بامتياز.
الخاتمة: الحق في المساءلة
ليست الأزمة في نقص الموارد، فاليمنيون يدفعون ثمن الخدمات مرتين: مرة كرسوم رسمية، ومرة كمعاناة ناتجة عن غياب الخدمة. الأزمة تكمن في غياب الدولة التي تُخضع هذه "الإمبراطوريات المالية" للمساءلة.
في النهاية، السؤال الجوهري الذي يجب أن يقلق الجميع ليس "كم تجني هذه الصناديق؟"، بل: من يملك الحق في محاسبتها؟
فالدول التي تحترم مواطنيها لا تُقاس قوتها بقدرتها على الجباية، بل بقدرتها على الإجابة بشفافية عن مصير كل ريال يُنتزع من جيب الفقراء.