في تلك الليلة الليلكية حيث يغلف الصمت تفاصيل المدينة المتعبة جلست في زاوية ذلك المقهى القديم الذي تفوح
منه رائحة الشاهي العدني وذكريات الزمن الغابر في الركن المقابل كانت هناك طاولة مستديرة يلتف حولها
رجال ببدلاتٍ بدأت تفقد بريقها يتبادلون همساتٍ مشحونة بهستيريا مكتومة .
هؤلاء ليسوا مجرد عابرين إنهم حراس المصالح الذين جفت منابعهم وأولئك الذين سقطت من أيديهم مفاتيح
الأبواب التي كانت تفتح لهم بالهيبة والجاه .
بدأ "كبيرهم بالحديث بصوتٍ يحاول استعادة وقارٍ مفقود لم يكن يتحدث عن الواقع بل كان ينسج خيوطاً من
الغيب الجغرافي قال بلهجةٍ واثقة تخفي خلفها رعباً من النسيان .
لا تنظروا إلى الميادين الخالية ولا تغرنكم الهزائم الظاهرة النصر الحقيقي يطبخ الآن في أعماق الأرض هناك
حيث لا تصله العيون تُبنى الجيوش وتُعدُّ العدة لزلزالٍ سيعيد لنا كل ما فقدناه .
كانت عيون الحاضرين تلمع ببريقٍ غريب بريق الوهم الذي يقتات على اليأس إنها الحالة التي يرفض فيها العقل
الاعتراف بأن المصالح الشخصية التي تبخرت لن تعود بمجرد التمني فيبدأ بخلق أسطورة تعوض هذا النقص .
المشكلة ليست في هؤلاء الذين فقدوا امتيازاتهم فحسب بل في تلك المحاولة المستمرة لجرّ الشعب خلفهم إلى
خرم إبرة الأمل الكاذب هؤلاء يمارسون نوعاً من التنويم المغناطيسي الجماعي موهمين الناس بأن :
الانتصارات القادمة ليست نتاج عمل أو واقعية بل هي معجزة ستخرج من الأقبية .
الصبر على الجوع والضياع هو تكتيك سيفهمه الجميع حين تنشق الأرض عن جيوشهم الخفية .
كل من ينتقد أو يواجه الحقيقة هو خائن لا يدرك عمق المخطط العظيم الذي يدار تحت السطح.
إن التبشير بانتصارات تخرج من أعماق الأرض ليس سوى هذيان سياسي لأشخاص لا يستطيعون العيش في
ضوء الواقع فالنصر يا سادة، يُصنع فوق الأرض بجهد العقول وعرق الجبين والاعتراف بالخطأ وليس بالوعود
التي تشبه قصص الرعب أو حكايات الجن .
هؤلاء الذين يتباكون على مصالحهم المفقودة يحاولون تحويل هزيمتهم الشخصية إلى ملحمة وطنية خفية إنهم
يخشون المواجهة مع الحاضر فيهرعون إلى استدعاء الغيبيات السياسية ليحافظوا على بقايا أتباعٍ أرهقهم
الانتظار .
من فقد مصلحته يبحث عن جحر يختبئ فيه لكنه بدلاً من الصمت يقرر إقناعنا بأن ذلك الجحر هو غرفة
عمليات النصر .
انتهت الجلسة وغادر المنظرون المقهى تاركين خلفهم دخاناً كثيفاً وأوهاماً لا تسمن ولا تغني من جوع بينما
ظلت الأرض صامتة لا تخفي في أعماقها سوى الحجارة والتراب منتظرةً من يزرعها حقاً لا من يزرع فيها
الأكاذيب .