آخر تحديث :الإثنين-20 أبريل 2026-04:06ص

من البحر الأحمر إلى عدن: كيف ترفع الحرب كلفة الاقتصاد اليمني؟

الأحد - 19 أبريل 2026 - الساعة 09:41 م
نايف حمود العزي

بقلم: نايف حمود العزي
- ارشيف الكاتب


مدخل


من الذي يحدد أسعار الغذاء في عدن اليوم: السوق المحلية… أم ما يحدث في البحر الأحمر؟


هذا السؤال لا يتعلق بحادثة عابرة في ممر بحري، بل بطبيعة اقتصاد يعتمد في بقائه على الخارج. ففي الاقتصادات المستقرة، تبقى الممرات البحرية مجرد قنوات لنقل السلع، لا تؤثر إلا بحدود الكلفة اللوجستية. أما في سياق الحرب، فإن هذه الممرات تتحول إلى نقاط إعادة تسعير للاقتصاد نفسه، حيث تُعاد صياغة الكلفة وفق مستوى المخاطر لا وفق قواعد السوق.


لأن ما يحدث في البحر الأحمر لا يبقى هناك… بل يظهر مباشرة في أسعار الغذاء داخل عدن.


في هذا الإطار، لا تبقى الحرب في البحر، بل تنتقل إلى الداخل عبر الأسعار. وفي اقتصاد هش كاليمن، لا تُمتص هذه الصدمات، بل تُنقل مباشرة إلى السوق، حيث تتحول إلى تضخم، وارتفاع في تكاليف المعيشة، وضغط مستمر على القدرة الشرائية.


وبذلك، لا يصبح السؤال: ماذا يحدث في البحر الأحمر؟


بل: كيف يُعاد إنتاج ما يحدث هناك داخل السوق في عدن؟




أولًا: حين تتحول الجغرافيا إلى تكلفة




لا تكمن خطورة عسكرة البحر الأحمر في تعطيل الملاحة بقدر ما تكمن في إعادة تعريفه اقتصاديًا. فالممر الذي كان يُقاس بالمسافة والزمن، أصبح يُقاس بالمخاطر والتوقعات.


وقد انعكس هذا التحول بشكل مباشر في تسعير التأمين البحري، حيث ارتفعت أقساط تأمين مخاطر الحرب من مستويات تقل عن 0.1% من قيمة السفينة قبل الأزمة إلى نحو 1–2% خلال تصاعد التوترات، وفي بعض مسارات التصعيد الإقليمي وصلت إلى نطاق يتراوح بين 3% و7% من قيمة السفينة، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي (IMF) وتقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD).


وبالتوازي، أدت إعادة توجيه السفن بعيدًا عن الممر إلى إطالة زمن الرحلات بنحو 10 إلى 14 يومًا في المتوسط، نتيجة الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح، وهو ما تؤكده بيانات صندوق النقد الدولي (IMF).


وبذلك، لا ترتفع الكلفة فقط، بل:


تُعاد صياغتها وفق احتمالات الخطر لا وفق واقع الرحلة.




ثانيًا: كيف تتضخم الكلفة داخل اقتصاد هش




في الاقتصادات المتماسكة، يمكن امتصاص جزء من هذه الصدمات عبر الإنتاج المحلي أو أدوات مالية مرنة. أما في اليمن، حيث يشكل الاستيراد المصدر الرئيسي للسلع، فإن أي زيادة في كلفة النقل تنتقل مباشرة إلى الداخل.


غير أن هذه الزيادة لا تتحرك بشكل خطي، بل تتضخم أثناء انتقالها. فالمستورد يضيف هامشًا لمخاطر مستقبلية، والتاجر يعيد التسعير وفق توقعاته، لتتحول الكلفة من رقم إلى سلسلة من التقديرات المتراكمة.


وتشير بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) إلى أن تكاليف الشحن العالمية شهدت زيادات تجاوزت 100% في بعض المسارات خلال فترات الاضطراب، وهو ما يفسر كيف تتحول زيادة محدودة في كلفة النقل إلى ارتفاع أكبر في السعر النهائي داخل الأسواق الهشة.


وبذلك، لا يكون السعر انعكاسًا مباشرًا للتكلفة، بل:


نتيجة لتراكم المخاطر عبر سلسلة التوزيع.




ثالثًا: زمن النقل كعامل تضخمي




إلى جانب الكلفة، يُدخل عدم اليقين عنصرًا أكثر تعقيدًا: الزمن. فإطالة الرحلات بنحو أسبوعين لا تعني فقط تأخير وصول السلع، بل تعني ارتفاع كلفة التمويل وتأخر دوران رأس المال، وزيادة الحاجة إلى المخزون الاحتياطي.


في هذا السياق، لا يُنظر إلى الزمن كعامل لوجستي فقط، بل كمتغير اقتصادي يضيف تكلفة فعلية إلى السلعة. ومع غياب القدرة على التنبؤ بمواعيد الوصول، يتحول الزمن إلى مصدر مخاطرة إضافي يُعاد تسعيره داخل السوق.


وهنا، لا يصبح التضخم نتيجة لارتفاع التكاليف فقط، بل:


نتيجة لعدم القدرة على ضبط الزمن داخل الاقتصاد.




رابعًا: من السوق العالمية إلى جيب المستهلك




ما يميز اقتصاد الحرب هو أنه لا يخلق الكلفة بقدر ما يعيد توزيعها. فشركات التأمين العالمية وخطوط الملاحة الكبرى لا تتحمل العبء النهائي، بل تعيد تمريره عبر سلاسل التوريد.


وفي حالة اليمن، حيث تضعف القدرة التفاوضية وتغيب أدوات الحماية، يكون المستهلك هو الحلقة الأخيرة التي تستقبل هذه التراكمات. وهكذا، لا يشعر بالحرب كحدث سياسي، بل كزيادة في الأسعار وتراجع في القدرة الشرائية.


أي أن الحرب لا تصل إلى الداخل عبر السياسة، بل عبر: السوق.




خامسًا: من الميناء إلى السوق: كيف تنتقل الكلفة داخل الاقتصاد اليمني




لا تنتقل كلفة الحرب من البحر الأحمر إلى الاقتصاد اليمني بشكل مباشر، بل عبر سلسلة تبدأ من الميناء وتنتهي بالمستهلك.


فعند وصول السفن إلى موانئ مثل عدن، تكون الكلفة قد ارتفعت بالفعل نتيجة التأمين وزمن النقل. هذه الزيادة لا تُمتص، بل تُنقل إلى المستورد، الذي يعيد التسعير مضافًا إليه هامش تحوط ضد تقلبات قادمة.


ثم تنتقل الكلفة إلى تاجر الجملة وبائع التجزئة، حيث يُعاد تسعيرها في كل مرحلة، ليس فقط وفق التكلفة الحالية، بل وفق توقعات الكلفة المستقبلية. لذلك، لا يعكس السعر في السوق كلفة الشحنة التي وصلت، بل كلفة الشحنة التي لم تصل بعد.


وفي اقتصاد يعتمد على الاستيراد، لا تجد هذه الزيادات مسارًا بديلًا، بل تتجه مباشرة إلى الأسعار.


وعند هذه النقطة، يتخذ الأثر بعدًا نقديًا؛ فارتفاع كلفة الاستيراد يرفع الطلب على العملة الأجنبية، ما يضغط على سعر الصرف (EX)، ويخلق موجة تضخمية إضافية.


وبذلك، لا تنتقل الكلفة فقط عبر التجارة، بل تُعاد إنتاجها نقديًا داخل السوق.




سادسًا: الكلفة والعملة: حلقة الضغط النقدي




لا يتوقف هذا الأثر عند حدود الأسعار، بل يمتد مباشرة إلى سوق النقد. فزيادة كلفة الاستيراد تعني زيادة الطلب على العملة الأجنبية لتمويل الواردات، ما يخلق ضغطًا إضافيًا على سعر الصرف (EX).


وفي سياق تتحرك فيه السيولة (MS) جزئيًا خارج القنوات الرسمية، يتعزز هذا الضغط داخل السوق الموازية، ما يحدّ من قدرة الدولة على التحكم في النقد.


وبذلك، لا ترفع الحرب كلفة السلع فقط، بل:


تعيد إنتاج الاختلال النقدي عبر قناة التجارة الخارجية.




خاتمة




لا يمكن فهم ما يحدث في عدن بمعزل عن البحر الأحمر، ليس لارتباطهما الجغرافي فقط، بل لارتباطهما عبر سلسلة كلفة واحدة.


ففي اقتصاد يعتمد على الاستيراد، لا تبقى الحرب في البحر، بل تُعاد صياغتها داخل السوق كارتفاع في الأسعار وضغط على سعر الصرف.


وفي الحالة اليمنية، لا تغيّر الحرب مسار التجارة فقط، بل تعيد تشكيل بنية الكلفة داخل الاقتصاد.


وما لم تُكسر هذه الحلقة—بين النقل، والسعر، وسعر الصرف—فإن أي استقرار سيظل مؤقتًا، وأي تحسن في المؤشرات لن ينعكس على المعيشة.


لأن المشكلة لم تعد في مسار التجارة… بل في كيفية انتقال كلفتها إلى الداخل.