آخر تحديث :الإثنين-20 أبريل 2026-04:06ص

الشرق الأوسط وإشكالية التغيير بين جدلية الحضارة والدولة.

الأحد - 19 أبريل 2026 - الساعة 01:17 م
د. جمال الهاشمي

بقلم: د. جمال الهاشمي
- ارشيف الكاتب


تسير استراتيجية إسرائيل حتى الآن في المنطقة كما رسمتها أجهزتها السياسية والاستخبارية واللوبية في مرحلة مهمة من مراحل تبديل الأدوار و تغير الدور من توظيف الولايات المتحدة لإسرائيل كمدخل لوجودها في المنطقة مكان بريطانيا التي سلمت الدور لها إلى توظيف أسرائيل للولايات المتحدة في تحقيق مشروع الدولة الإسرائيلية الكبرى.

ولكي يتحقق مشروعها فقد عمدت على إضعاف حلف الناتو وحلت مكانه لتشكل ثنائيا جديدا مع الولايات المتحدة لكنه محصورا في منطقة الشرق الأوسط .

وفي المقابل يعملان معا في استثمار أزمة أوكرانيا لفصل أي تكامل استراتيجي بين الأتحاد الأوروبي وروسيا تمهيدا لتفكيك منظومة الاتحاد الأوربي إلى دول قومية تبعدها عن القرارات الدولية وتشغلها بصراعات داخلية على غرار منطقة الشرق الأوسط لتتحول جغرافية الارتطام من منطقة متعددة الحضارات متكاملة المصالح إلى جغرافية الأزمات

وهي رؤية كسينجر الذي رأى أهمية اعتماد أوروبا على أمريكا لمنع تشكيل بنيتها الحضارية واستقلالها ومنع تحول التكامل الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي إلى تكامل سياسي استراتيجي عسكري .

ومن أهم أهداف الثنائي الاستراتيجي منع أي منافس محتمل لأمريكا من جهة ومنع أي معارضة أوروبية لأي توسع إسرائيلي في جغرافية مصالح أوروبا في المنطقة أو هيمنة عليها كوريث شرعي بديلا عن ألنفوذ الأمريكي.

إلى جانب ذلك تعمل إسرائيل على تدمير قدرات خمس دول مهمة في العالم الإسلامي وحددت ذلك وفق أصولية منهجية استشرافية بنيت على أربع محددات من ثمانية اختزلت لتقارب الاختلاف بين منظري الفلسفة السياسية والحضارية برؤية نقدية بنائية واستدلالية وهو ما أدى الى تغيير في معنى المفاهيم الأكاديمية التي أسسها فلاسفة دول أوروبا المتنافسة تغييرا موضوعيا وعقليا وعمليا ليتجاوز تفخيخهم بالهويات التاريخية والحضارية.

وجعلت من المحددات إطارا ضابطا للاجتهاد وهي عرفا وأصولا على نوعين ثابت ومتغير هذا من جهة الثبات والتغيير.

أما من جهة الوصف والحركة فاستخدمت فيه المنقول والمعقول والتجربة والواقع موضحا سياق ذلك من سباقه ولحاق ذلك من واقعه وقياس ذلك من تجاربه وبيان منطقه بمعقوله.

وبناء عليه رسمت مسار حركة الحضارات الكامنة المنكمشة في حدود الدولة التي وضعها الاستعمار

وانتقلت من مراسيم السياسة المعاصرة إلى مواقع الحضارة الجغرافية في التاريخ والوعي .


ومن ثم توصلت إلى أنه إيران مستهدفه حضاريا من قبل دولة إسرائيل ليس لأنها تحمل مشروعا حضاريا عقديا موجها نحو بلدان العالم الإسلامي وإنما لأنها برزت كقوى منافسة لأمريكا وإسرائيل من مناطق قوس الأزمات ابتداء بأفغانستان شمالا وحتى القرن الإفريقي جنوبا وتوسعت من العراق نحو سوريا بالإضافة إلى تموقعها في لبنان وهذا المجال يعد من أهم المجالات الجغرافية للنفوذ الإسرائيلي وهي منطقة محرمة على أي دولة سواء كانت مصر أو تركيا أو السعودية وقطر أو حتى دول الاتحاد الأوروبي وأمريكا .

ولذلك ترى من إيران تهديدا لمشروعها ولا أتوقع مستقبلا أن تتشكل فيها حضارة مركزية عالمية مستقبلا لأن مقومات الحضارة أصولها التي تأسست لم قبل التاريخ الإسلامي لم تعد واضحة الأسس والمعالم في بنيتها الفوقية أولا بالإضافة إلى واقعها الجغرافي وهي بذلك تكون من جهة تعريفنا لمفهوم الحضارة معطلة تعطيلا وجوديا إلا أنه يمكن أن تكون قوة إقليمية فاعلة أو قوة تابعة لقوى حضارية تحتويها .

وفي المقابل نشهد نشاطا لتركيا في غزة وسوريا وهو نشاط جاء مرتكزا على مفهوم الدولة الإقليمية القوية وليس على أسس حضارية ونجد أنها أقل تعطيلا من إيران ويمكن تعريفها بالجغرافية الحضارية المنفصلة وهي من جهة الموقع والبنى التحتية أكثر ثباتا حضاريا غير أنها ضعيفة من جهة بنيتها الفوقية وما يعيق تحولها من دولة إقليمية كبرى إلى دولة حضارية ويمكن أن تكون إيران وتركيا عمقا حضاريا وهناك اختلاف بين مفهوم العمق الحضاري والقلب الحضاري وكلاهما يؤسسان لاستراتيجيات متكاملة لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر إذا انطلقنا من رؤية الوعي الحضاري ولذلك استطاع الاستعمار أن يعطل مفاهيم الحضارة في بنيتيه العليا والدنيا .

ويعتبر موقع مصر والسودان معا يشكلان عمقا حضاريا ويمكنهما معا تشكيل قوة إقليمية كبرى في المنطقة إلا أنه معطل من جهة موارده وجغرافيته ومن جهة البنية الفوقية حيث تعاني من ضبابية الرؤية ولا يمكن أن تتحول إلى قوة عالمية إلا بتكاملها مع الشام ولذلك نجد أن إسرائيل انطلاقا من وعيها الحضاري تعمل على تعطيل دور مصر التي تحاول استعادة وجودها من جهة الأردن والسلطة الفلسطينية .

وعطفا على ما سبق فإنه من الإمكان البنوي تحتيا وفوقيا أن تتحول تركيا إلى قوة عالمية بتكاملها مع العراق والشام بينما يمكن ذلك مع إيران إذا تمددت في باتجاه دول القوقاز واقصى حدودها في الجهة المقابلة بالعراق وهذا لن يتحقق إلا بتغييرات جذرية في البنية الفوقية بشقيها الفكري والثقافي .

وتتمركز السعودية على جغرافية قطب حضاري عالمي وتكاملها مع اليمن ودول الخليج يجعل منها حضارة قطبية عالمية إلا أنها معطلة بالتحديات السياسية.

أما بالنسبة للتعدد الفكري فيها فيمكن امتصاصه بالثقافة ولا يعد تحديا كبيرا إذا ما فعلت الثقافة لامتصاص التعدد العقائدي وتوظيفه فيها أو تخفيف تناقضاته.

أما أن تتحول إلى دولة حضارية قادرة على التمدد الرسالي فلن تكتمل إلا بحضورها في منطقة الشام حيث يشكل الركيزة الأساس لامتصاص أطرافه وتحويله إلى قيمة عالمية وهو ما أن تتحول مناطق العالم العربي الأخرى إلى مناطق تفاعل حضاري يعيد اندماجها في بنيتها الإسلامية وهي بنية التكوين الأساس التي الغت كل أسس ومعالم الحضارات القديمة ويعود الفضل لهذا التكوين في مقاومة الاستعمار الغربي الذكي من دمج جغرافية العالم الإسلامي فيه دمجا حضاريا رغم تفوقه الحضاري عالميا .

وما تزال ذاكرة الحضارة الإسلامية تتحرك في إسبانيا اخلاقيا رغم انفصالها عنه قيميا وذلك بسبب التلوث الحضاري من داخل البنية الإسلامية التي ساهمت في انحساره وارتباط اسبانيا بجغرافية حضارية أوروبية لها تاريخها ومكانها وثقافتها وقدرتها العقلية على جذب قيم الآخر في تجديد حضارتها وأوروبا هي الوحيدة حضاريا في منافسة العالم الإسلامي بسبب التداخل الجغرافي والعرقي والثقافي والفلسفي والعقلي.

ولذلك لن تسمح إسرائيل من حضور السعودية في منطقة الشام رغم حضورها في سوريا والأردن وفلسطين إلا أن هذا الحضور مشتتا ومضطربا وغير واضح بمعالمه الاستراتيجية لأنه يتواجد ضمن سياق القواعد الدولية مما يعني تعطيل فاعلية الوجود .


ومن هنا يجب ضبط الرؤية بين مفهوم الدور الدولي قانونا والدور الأمني الذي يتمكن من خلال رؤية استراتيجية استشرافية بحيث يمنح الأول غطاء شرعيا للدور بينما يستقيم الدور على الرؤية.

ثم حددت بالمحدد الجغرافي مجالات التفعيل في منطقة الشرق الأوسط وقسمته على أربع دوائر استراتيجية؛ و أول دوائرها جزيرة العرب لأن تجديد القيم منها يقوم على أعراف اللغة والعرف مدخل أساسي لفهم استعمال اللغة باعتبار مجتمعاتها حاضنا عرفيا ولذلك ادعوى أرباب اللغة لتأسيس معجم عربي يقوم على ما تعارف عليه الناس بالبحث والتنقيب وادعو دول المنطقة من تبني هذا المشروع عبر رحلات داخلية في مجتمعاتها الريفية والبدوية فقط وهذا من أهم مقومات تأسيس الوعي وهو تجديد من الأهمية بمكان لتجديد ابتعاث البنية الفوقية .

وثاني هذه الدوائر في منطقة بلاد الرافدين والهلال الخصيب وتلحق مجتمعاتها البدوية بالمجتمعات العربية.

ورابع هذه الدوائر تمتد جغرافيا من مصر إلى دول الشمال الأفريقي وتعامل مجتمعاتها كمجتمعات الحضر في جزيرة العرب ويقام عليها تأسيس البنية الحضارية التحتية.

ثم رابعها في دول العالم الاسلامي وفي مقدمتها ثلاث دول قامت على أصول حضارية في كل من إيران وتركيا وباكستان وبذلك يكون للحضارة اعماقا لكل عمق منها دورا من جهة باتجاه العالم الآخر وبذلك يعاد تفعيل مراكز الحضارة لدول العالم الإسلامي وظيفيا .

و إن أول معوقات هذه الجغرافيا الانفتاح والانغلاق معا.

وتفكك الروابط من داخلها وتفجيرها بسبب إشكالية في البنى الفوقية التي سمحت بانفتاحها على التدخلات الخارجية التي سمحت بخلق الجهويات والنزاعات الانفصالية والاثنيات والاقليات والتطرف الديني وضرب بنية اللغة العربية العرفية ثم لغة الأدب ثم لغة الثقافة وأخيرا فتح الباب لتفسيرات لغة المعاجم في العقيدة والشريعة.

وقد أتى هذا من خلال استراتيجية التدمير بالاستبداد إذ توظف إمكانيات الدولة من جهة السلطة للدفاع عنها وإمكانيات المجتمع بمراكز النفوذ والمعارضة للسيطرة عليها فيؤديان معا إلى تدمير البنية الأمنية والأمن الفكري وأمن التنمية بصراع مأزوم لم يعطل الحضارة التي هي من الأهداف البعيدة وإنما عطل الدولة التي صنعها الاستعمار والتي بدورها كانت من أهم أسباب تعطيل المشاريع الإقليمية والقومية والإسلامية.

وقد تبين ذلك في السودان واليمن وليبيا والعراق والشام ومن قبله في الصومال وافغانستان .

بينما بقيت دولا على فوهة التدبير الكامن كما في تونس والمغرب و تتهدد دولا أخرى بدول تحيط بها أو تهدد من داخلها لذلك نجد القبضة الأمنية في دول العالم العربي والإسلامي سبب في فصل الأمن العام للمجتمع عن أمن القيم عن أمن المكونات عن أمن السلطة عن أمن الدولة .

هذا الاضطراب ناشئ عن خلل في البنى الفوقية للثقافة العامة التي تحكم المجال العام والثقافة السياسية التي تلوثه.

ومن هنا جاءت دبلوماسية التدخل الأمريكي الإستلومه. مخترقة ثقافة السلطة المنفصلة عن الثقافة العامة بين نعومة تدعو إلى السلام الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة أو تهديدها بالقوة والقوة من داخلها بالمعارضة أو من خلال الدول المحيطة بها بالمنافسة.

وهي الآلية التي ضرب بها العراق وقد ساهمت بنيته البعثية الفوقية وقبضته بها على المجال العام والواقع من تدميره بالدول المحيطة به والمجتمعات من داخله .

وبالمثل تساقطت وتتساقط الدول العربية والإسلامية بسبب اختلال البنيتين وبسبب ذلك تعطلت موارد الدول وتخلفت مجتمعاتها.

وهو ما يعني ضمان التفوق الحضاري الغربي و فرض التبعية بأحد الأداتين الدبلوماسية أو القوة مما جعل كثير من الدول توافق على الدخول في مجلس السلام في غزة وفتحت مجالات المنطقة لإعادة ولادة الهيمنة الإسرائيلية وتوسعهيا في منطقة الشام ولا أرد ذلك إلى النوايا السيئة لأنظمة الحكم العربي وإنما أرده إلى اختلال البنيتن وضبابيتهما حتى المجتمعات تعيش صفيرا مقلقا وتذبذبا مفجعا وضطرابا متداخلا بسبب نفس الخلل الذي أعاق السلطة والمسؤولية مشتركة بينهما إلا أن المجتمعات أكثر مسؤولية .

بينما تتبع اسرائيل نفس النموذج الإيراني في التوسع لكنها من مدخل براجماتي سياسي وانتهازي عبر دول وسيطة أو نفوذ مباشر مع بعض المكونات كما هو تدخلها في دولة أرض الصومال وتحالفها مع إثيوبيا وارتبريا وبذلك تتجاوز الاختلاف الثقافي من جهة الوسيط وتخترق التباين الثقافي داخل الدولة و المستحدث بثقافة الحدود والتكوين الاستعمار ي لدول المنطقة ولذلك تسعى إسرائيل لتجاوز الاختلاف الثقافي باختراق البنية الثقافية لمجتمعات المنطقة عن طريق التطبيع ووحدة الاديان الابراهيمية لما لذلك من أهمية من إعاقة تشكل الوعي الحضاري في بنيته الفوقية من جهة وتعطيل بنيته التحتية باستغلالها.

ولا شك أن ما تبقى من حكومة ترامب ستحدث اعاصير سياسية في المنطقة تغير ملامحها بحيث تتشكل ثقافة ترامبية بديلا عن ثقافة الاستعمار التقليدي القديم .

إلا أننا نعول على تحديات الواقع وصعوبة التعاطي معه بسهولة دون كلفة بسبب التدخل الروسي الصيني في المنطقة وكذلك دول الاتحاد الأوربي المعارضة للسياسية الأمريكية .

هذا التنافس القطبي اطال أمد الحرب على إيران وهو ما صدم أمريكا بسبب عدم دقتها في تحديد العمر الزمني للحرب بناء على الواقع الدولي وقدرات الدولة الإيرانية وهو ما كشف قدرتها وعراها أمام روسيا والصين وهو ما يعني أن الدول الكبرى يمكنها أن تستفيد من هذه الحرب في تحديث استراتيجيتها لمواجهة أمريكا في منطقتها الإقليمية؛ روسيا في أوكرانيا إلا أن التحدي الأكبر لروسيا سيكون بالاتحاد الأوروبي والصين في تايوان

وهذا يشير إلى أن خروج إمريكا من جغرافية الصين الإقليمية والروسية إما بالدبلوماسية واتباع سياسة العزلة والتسليم بتعدد الاقطاب أو بالقوة وحروب الاستنزاف .

أن القوة الأمريكية إنما كانت بإعلامها ودبلوماسيتها الشعبية وقوانينها وبنيتها الثقافية والشعبية .

لذلك وجدنا أن د دبلوماسية بوش أقوى في حشد العالم الدولي لغزو العراق وكذلك الحشد السابق في أفغانستان كون أمريكا اعتمدت على قدرات وموارد وإمكانيات العالم الإسلامي في مواجهة السوفيت أو في احتلال العراق وساعدها في تمديد نفوذها في مناطق الأزمات.

وقد كان لإيران دورا استراتيجيا في العراق وأفغانستان ولم تدرك أن سقوط كل من أفغانستان و العراق بداية لسقوطها ومع هذا فقد كان العراق حصنا دفاعيا لكل من العرب وإيران وتركيا وبسقوطه فتحت ثغرات كان يمكن تجاوزها إذا كان العالم العربي يمتلك بنية حضارية مشتركة وليس بنى وطنية متفرقة فالعلة ليس في تعدد الدول بقيادات متعددة وإنما بتعدد بنياتها الفوقية .

ومع هذا فقد أظهر ترامب مدى هشاسة القوة الأمريكية وأن أفغنة إيران على مدى عشر سنوات وربما أقل من ذلك كفيل بتفكيك أمريكا داخليا

هذا إذا استمر حياد الدول العربية والأوروبية وهو ما يجعل أمريكا في مواجهة غير مباشرة مع الصين وروسيا في أيران .

كما أن مواجهة المشروع الإيراني لا يعني السلام في المنطقة أو مزيدا من السلام وإنما تحولا في عملية السلام بحيث تكون إيران الممزقة إلى جانب أسرائيل وأمريكا مستقبلا أو قد تفتح المنطقة لتنافس النفوذ الدولي.

لذلك نرى إن الدبلوماسية الذكية في بناء منظومة أمن مشترك لا تأتي بلقاءات على مستوى وزارات الخارجية علنا وإنما من خلال آليات أخرى تبدأ بإعادة تعريف البنية الفوقية للدول ومقاربتها بالثقافة العامة لمجتمعات العالم الإسلامي.

وما دام العالم الإسلامي يعبر عن مخاوفه عبر وسائل الرأي العام والإعلام فتلك إشكالية في إدارة الدبلوماسية وخصوصا في إدارة الأزمات..

إن الواقع يدعونا بتحولاته ومتغيراته إلى تفعيل وجودنا برؤية تبدأ من بدوائر متقاربة ثم تتوسع قبل أن تتجاوزها.