في خضم الجدل المتصاعد حول أسعار الوقود في عدن، يندفع كثيرون إلى تبني مواقف حادة تختزل القضية في ثنائية مبسطة: إما دعم حكومي شامل يخفف العبء عن المواطن، أو تحرير كامل للأسعار يضمن توفر المشتقات النفطية في الأسواق. لكن الحقيقة، كما هي غالبًا في القضايا الاقتصادية المعقدة، لا تقف عند هذا الحد الفاصل، بل تتموضع في منطقة رمادية أكثر تعقيدًا وأشد حساسية.
من الناحية النظرية، يبدو منطق رفع الدعم واضحًا: لا يمكن لأي حكومة أو شركة أن تبيع سلعة بأقل من تكلفتها الفعلية دون أن تتحمل خسائر تؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار منظومة التوريد. وفي حالة الوقود تحديدًا، فإن الاستمرار في بيعه بأسعار مدعومة دون غطاء مالي حقيقي يعني ببساطة فتح الباب أمام أزمات متكررة: نقص في المعروض، طوابير طويلة، وانتعاش السوق السوداء. وهي سيناريوهات خبرها اليمنيون جيدًا في مراحل سابقة.
لكن تحويل هذا المنطق إلى مبرر مطلق لتسعير الوقود وفق “السعر العالمي” يطرح إشكالية لا تقل خطورة. فالسعر العالمي ليس رقمًا مقدسًا، بل هو نقطة بداية تُضاف إليها سلسلة من التكاليف المتغيرة: الشحن، التأمين، المخاطر، وسلاسل التوزيع. وهنا تحديدًا تتسع مساحة الغموض، وتبرز الأسئلة التي لا تجد إجابات واضحة: كم تبلغ التكلفة الحقيقية للاستيراد؟ ما هو هامش الربح المعتمد؟ ومن يراقب هذه المعادلة؟
المشكلة في عدن لا تكمن فقط في رفع الدعم، بل في غياب الشفافية التي تجعل أي تسعير — مهما بدا منطقيًا — موضع شك. فحين لا تُعلن معادلة التسعير بوضوح، ولا تُكشف تفاصيل التكلفة، يصبح المواطن أمام رقم نهائي مجرد، يُطلب منه تقبّله دون نقاش، في بيئة اقتصادية تتآكل فيها القدرة الشرائية بشكل مستمر.
الاقتصادات المستقرة لا تعتمد على الدعم المطلق، لكنها أيضًا لا تترك الأسعار لآليات السوق دون ضوابط. هناك دائمًا ما يُعرف بـ”التسعير المُدار”، حيث تتدخل الدولة لضبط الهوامش، وتخفيف الأعباء، وتوجيه الدعم للفئات الأكثر تضررًا أو للقطاعات الحيوية كالنقل والكهرباء. هذا النموذج لا يخلق تشوهات حادة في السوق، ولا يدفع في الوقت ذاته نحو إنهاك المواطن.
في الحالة اليمنية، يصبح هذا التوازن أكثر إلحاحًا. فالسؤال الحقيقي ليس: هل يجب رفع الدعم؟ بل: كيف يُدار السعر بعد رفعه؟ وهل يعكس فعلًا التكلفة الواقعية، أم أنه يتضمن هوامش غير معلنة تُحمّل للمستهلك دون مبرر واضح؟
إن الإصرار على معادلة “السعر العالمي أو الفوضى” هو تبسيط مخل لقضية معقدة. كما أن المطالبة بدعم شامل في ظل وضع مالي هش تبدو أقرب إلى أمنية غير قابلة للاستدامة. بين هذين الطرفين، توجد مساحة يمكن فيها بناء سياسة تسعير أكثر عقلانية: شفافة، خاضعة للرقابة، وقادرة على تحقيق معادلة صعبة تجمع بين توفر السلعة وعدالة السعر.
في النهاية، ليست المشكلة في الرقم الذي يدفعه المواطن فحسب، بل في غياب الثقة في الطريقة التي تم الوصول بها إلى هذا الرقم. وحين تغيب الشفافية، يتحول أي سعر — مهما كان مبررًا — إلى عبء مضاعف، اقتصاديًا ونفسيًا على حد سواء.